محمد سعيد رمضان البوطي
131
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ومما يستدل به على ذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ، قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ، لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [ النساء 4 / 97 ، 98 ] . 2 - وجوب نصرة المسلمين بعضهم لبعضهم ، مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكنا . فقد اتفق العلماء والأئمة على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضعفين أو المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين ، في أي جهة من جهات الأرض ، ثم لم يفعلوا ذلك ، فقد باؤوا بإثم كبير . يقول أبو بكر بن العربي : « إذا كان في المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة ، والنصرة لهم واجبة بالبدن ، بأن لا تبقى منا عين تطرف ، حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم ، حتى لا يبقى لأحد درهم من ذلك » « 50 » . وكما تجب موالاة المسلمين بعضهم لبعضهم ، فإنه يجب أن تكون هذه الموالاة فيما بينهم ، ولا يجوز أن يشيع شيء من الولاية أو التناصر أو التآخي بين المسلمين وغيرهم . وهذا ما يصرح به كلام اللّه عز وجل ، إذ يقول : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ [ الأنفال 8 / 73 ] . يقول ابن العربي : « قطع اللّه الولاية بين الكفار والمؤمنين ، فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض ، يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم » « 51 » . ولا ريب أن تطبيق مثل هذه التعاليم الإلهية ، هو أساس نصرة المسلمين في كل عصر وزمن ، كما أن إهمالهم لها وانصرافهم إلى ما يخالفها هو أساس ما نراه اليوم من ضعفهم وتفككهم وتألب أعدائهم عليهم من كل جهة وصوب .
--> ( 50 ) أحكام القرآن لابن العربي : 2 / 876 ( 51 ) المرجع السابق : 2 / 876