محمد سعيد رمضان البوطي
129
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ولعل من حكمة ذلك تهييء أسباب هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، فسنجد أن لهذا الخبر الذي انتهى إلى سمع المشركين أثرا كبيرا في تضييقهم الأمر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإجماعهم الرأي على قتله والتخلص منه . ومهما يكن ، فإن بيعة العقبة الثانية ، كانت المقدمة الأولى لهجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة . إذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة قال ابن سعد في طبقاته يروي عن عائشة رضي اللّه عنها : « لما صدر السبعون من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم طابت نفسه ، فقد جعل اللّه له منعة وقوما أهل حرب وعدة ونجدة ، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج ، فضيّقوا على أصحابه وتعبّثوا بهم ، ونالوا ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى . فشكا ذلك أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واستأذنوه في الهجرة ، فقال : « قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب ، فمن أراد الخروج فليخرج إليها » فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك ، فكان أول من قدم المدينة من أصحابه صلّى اللّه عليه وسلم أبو سلمة بن عبد الأسد ثم قدم بعده عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حشمة ، فهي أول ظعينة « 46 » قدمت المدينة ثم قدم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أرسالا فنزلوا على الأنصار في دورهم ، فآووهم ونصروهم وآسوهم » « 47 » . ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا متخفيا غير عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فقد روى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه وتنكب قوسه ، وانتضى في يده أسهما ، واختصر عنزته ( عصاه ) ومضى قبل الكعبة ، والملأ من قريش بفنائها فطاف في البيت سبعا متمكنا مطمئنا ، ثم أتى المقام فصلى ، ثم وقف فقال : « شاهت الوجوه ، لا يرغم اللّه إلا هذه المعاطس ، من أراد أن يثكل أمه أو يوتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي » . قال علي : فما اتّبعه إلا قوم من المستضعفين علّمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه « 48 » . وهكذا تتابع المسلمون في الهجرة إلى المدينة حتى لم يبق بمكة منهم إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعلي ، أو معذب محبوس ، أو مريض أو ضعيف عن الخروج .
--> ( 46 ) الظعينة هي المرأة التي تكون في الهودج . ( 47 ) طبقات ابن سعد 1 / 210 و 211 وتاريخ الطبري 1 / 367 ( 48 ) أسد الغابة : 4 / 58