محمد سعيد رمضان البوطي
122
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ومن هنا تعلم أنه لا معنى ولامكان لكلمة رجال الدين ، في المجتمع الإسلامي ، حينما تطلق على فئة معينة من المسلمين . ذلك أن كل من دخل الإسلام فقد بايع اللّه ورسوله على الجهاد من أجل هذا الدين ، ذكرا كان أم أنثى عالما أو جاهلا ، ومهما كان شأنه أو اختصاصه ، فالمسلمون كلهم رجال لهذا الدين ، اشترى منهم اللّه أرواحهم وأموالهم بأن لهم الجنة يسخرونها في سبيل إقامة دينه ونصر شريعته . ومن المعلوم أن هذا كله لا علاقة له بما للعلماء من اختصاص البحث والاجتهاد وتبصير المسلمين بأحكام دينهم ، وحلّ ما قد يجدّ من المشكلات في حياتهم ، على ضوء نصوص الشريعة الثابتة مع الزمن . بيعة العقبة الثانية ثم إن مصعب بن عمير عاد إلى مكة في موسم العام التالي ، ومعه جمع كبير من مسلمي المدينة ، خرجوا مستخفين مع حجاج قومهم المشركين . قال محمد بن إسحاق يروي عن كعب بن مالك : « فواعدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق . فلما فرغنا من الحج ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لها ، نمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل ، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نتسلل تسلّل القطا مستخفين ، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا : نسيبة بنت كعب ، وأسماء بنت عمرو بن عدي . قال : فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب ، فتكلم القوم وقالوا : خذ منا لنفسك ولربّك ما أحببت . . فتكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فتلا القرآن ودعا إلى اللّه ورغّب في الإسلام ثم قال : « أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم » . فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : « نعم ، والذي بعثك بالحق نبيا لنمنّعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول اللّه ، فنحن واللّه أبناء الحروب وأهل الحلقة ( أي السلاح كله ) ورثناها كابرا عن كابر » . فاعترض القول - والبراء يتكلم - أبو الهيثم بن التيّهان فقال : « يا رسول اللّه ، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ » . فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم قال : « بل الدّم الدّم والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم » .