محمد سعيد رمضان البوطي
120
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
لهجرته إلى المدينة ، حيث اقتضت حكمة اللّه أن تكون هي المنطلق للمدّ الإسلامي في أرجاء الأرض كلها » . ثالثا : في بيعة العقبة الأولى ، كان قد تمّ إسلام عدد من كبار أهل المدينة ، كما ذكرنا . فكيف كانت صورة إسلامهم ؟ وما هي حدود مسؤولياتهم التي حمّلهم الإسلام إياها ؟ لقد رأينا أن إسلامهم لم يكن مجرد نطق بالشهادتين ، بل كان إسلامهم هو الجزم القلبي والنطق اللساني بهما ، ثم التزاما بالبيعة التي أخذها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عليهم ، أن ينصبغ سلوكهم بالصبغة الإسلامية عن طريق التمسك بنظمه وأخلاقه وعامة مبادئه ، أخذ عليهم أن لا يشركوا باللّه شيئا ، ولا يسرقوا ، ولا يزنوا ، ولا يقتلوا أولادهم ، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ، ولا يعصوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في أي معروف يأمرهم به . وهذه هي أهم معالم المجتمع الإسلامي الذي بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لإنشائه . فليست مهمته أن يلقن الناس كلمة الشهادة ثم يتركهم يرددونها بأفواههم وهم عاكفون على انحرافاتهم وبغيهم ومفاسدهم . صحيح أن الإنسان يصدق عليه اسم المسلم إذا صدّق بالشهادتين وأحلّ الحلال وحرّم الحرام وصدّق بالفرائض ، ولكن ذلك لأن التصديق بوحدانية اللّه ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام هو المفتاح والوسيلة لإقامة المجتمع الإنساني وتحقيق نظمه ومبادئه ، وجعل الحاكمية في كل الأمور للّه تعالى وحده . فحيثما وجد الإيمان بوحدانية اللّه تعالى ورسالة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام لا بدّ أن يتبعه الإيمان بحاكمية اللّه تعالى وضرورة اتّباع شريعته ودستوره . ومن أعجب العجب ، ما يعمد إليه بعض الذين تأسرهم النظم والتشريعات الوضعية ، ممن لا يريدون المجاهرة بنبذ الإسلام واطّراحه ، حيث يحاولون أن يسلكوا مع خالق هذا الكون ومالكه مسلكا أشبه ما يكون بمسلك الصلح والمفاوضات . وسبيل المفاوضة عندهم ، أن يقسموا مظاهر المجتمع بينهم وبين الإسلام ، فللإسلام من المجتمع مساجده وسائر مظاهره العبادية ، يحكم ضمن ذلك على الناس بكل ما يريد ، ولهم منه نظمه وتشريعاته وأخلاقه يغيرون منها ويبدلون كما يريدون ! . . ولو أن المتألهين والبغاة الذين أرسلت إليهم الرسل فكذبوا برسالاتهم تنبهوا لهذا الحلّ الطريف إزاء دعوتهم إلى الإسلام ، لما توانوا عن الدخول فيه وإظهار الطواعية له ، ما دام أنه لا يكلفهم التنازل عن حاكميتهم ولا ترك شيء من قوانينهم وتنظيماتهم ، ولما بخلوا في مقابل ذلك بكلمة يرددونها أو طقوس يتركون السبيل إليها . ولكنهم علموا أن هذا الدين يكلفهم أول ما يكلفهم الدخول في نظام وحكم جديدين ، التشريع والحكم فيه إلى اللّه وحده ، فمن أجل ذلك شاقوا اللّه ورسوله وعزّ عليهم أن يعلنوا إسلامهم لدعوة اللّه عزّ وجلّ .