محمد سعيد رمضان البوطي
12
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ومهما يكن صحيحا ما يقوله الناس من ابتعاد المسلمين عن منهجهم الإسلامي العظيم في هذه السنوات الأخيرة ، فإن الذي أعتقده أن الناشئة المسلمة اليوم تملك من الوعي الإسلامي ودقة التأمل والملاحظة ما لم يكن يملكه المسلمون في أي عهد ( قريب ) مضى . ولن يمر زمن طويل حتى تجد أن هذا الوعي قد انقلب إلى حركة إيجابية عاملة ، تصلح الانحراف ، وتقوم الاعوجاج ، وتعيد البناء الإسلامي من جديد . 9 - ومن ناحية أخرى فقد فضلت أن أسير في كتابة هذه البحوث على المنهج المدرسي القائم على استنباط القواعد والأحكام ، مبتعدا عن المنهج الأدبي التحليلي المجرد ، وإن كان لكلّ مزيته وفائدته ، ذلك لأن المجال الذي أقدم فيه الكتاب ( وهو المجال الجامعي ) إنما ينسجم ويتفق مع الطريقة الأولى . ولقد وجدت من رضا القرّاء عن هذا المنهج - على اختلافهم - ما دفعني إلى مزيد من التوسع في ذلك والدقة فيه . وإن كنت أعلم أنني لم أستوف البحث حقه ولم أعالج كل ما ينبغي معالجته . ومردّ ذلك : أولا ، إلى عجزي وقصوري ولا شك . ثانيا ، إلى أنني لا أريد أن أفيض في ذكر المسائل والأحكام ومتعلقاتها إلى الحد الذي يشق معه على القارئ أن يقرأ الكتاب كله لقاء جهد يسير . فإن الكتاب إذا تجاوز إلى هذا الحد ، قلّت فائدته بنظري وأصبح مرجعا يستعان به عند المناسبات ، بدلا من أن يكون كتابا سهلا سائغا يقتنى للقراءة والدرس في أعمّ الأحوال . * * * 10 - غير أن هنالك فئة أخرى من الناس ، لم يعجبها هذا الذي صنعت ، بل ذهب بعض أفرادها في نقده مذهبا تسربل فيه بلباس الضغينة والحقد ، بدلا من أن يظهر في مظهر البحث العلمي المتجرد . ولوددت لو أنني نبهت إلى خطأ انحرفت إليه لدى البحث ، أو غفلة أصابتني عند بيان حكم أو دليل من قبل أخ مخلص ، لأشكر له تنبيهه وأدعو له بالمثوبة والأجر ، ولكنني لم أقع بدلا من ذلك إلا على ما لا حصيلة له من القول المنبعث عن رغبة واضحة في الإساءة والتّشفي والانتصار للعصبة والعصبية . 11 - فلقد وجدت - مثلا - في هدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعمل أصحابه ما أوضح بشكل لا خفاء فيه مشروعية التوسل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيّا وميتا ، فقررت ذلك بعد أن عرضت بين يديه ما لا يمكن ردّه من الأدلة والبراهين . ووجدت في سيرته صلّى اللّه عليه وسلم ما أوضح مشروعية القيام إكراما للقادم ، فذكرت هذه الأدلة وأوضحت ما ذكره العلماء من الفرق بين القيام للقادم والقيام على الرجل الجالس ، وما أوضحته