محمد سعيد رمضان البوطي

115

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ولما وقف دعاة السوء على هذا الكتاب ووجدوا فيه من الأكاذيب المنسوبة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما يكفل زعزعة إيمان الكثيرين من الناس ، راحوا يروجون له ويدعون إليه ( وكان في جملة من كتب عنه مادحا ومعظما الدكتور لويس عوض ، وما أدراك من هو لويس عوض ) ، مع أنهم يعلمون قبل سائر الناس أنه كتاب مكذوب على ابن عباس وأن أحاديثه باطلة ، ولكن الكذب سرعان ما ينقلب عندهم صحيحا إذا كان فيه ما يشوش أفكار المسلمين ويلبس عليهم دينهم . عرض الرسول نفسه على القبائل وبدء إسلام الأنصار كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، خلال هذه الفترة كلها ، يعرض نفسه في موسم الحج من كل سنة على القبائل التي تتوافد إلى البيت الحرام ، يتلو عليهم كتاب اللّه ويدعوهم إلى توحيد اللّه فلا يستجيب له أحد . يقول ابن سعد في طبقاته : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوافي الموسم كل عام يتّبع الحجاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز ، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربّه ولهم الجنة ، فلا يجد أحدا ينصره ، ويقول : « يا أيها الناس قولوا لا إله إلا اللّه تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذلّ لكم العجم ، وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة » ، وأبو لهب وراءه يقول : « لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب » ، فيردون على رسول اللّه أقبح الرّد ويؤذونه » « 30 » . وروى ابن إسحاق عن الزهري : « أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم أتى بني عامر بن صعصعة ، فدعاهم إلى اللّه عزّ وجلّ ، وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس : واللّه لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك اللّه على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال الأمر إلى اللّه ، يضعه حيث يشاء ، قال ، فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك اللّه كان الأمر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك » « 31 » . وفي السنة الحادية عشرة من البعثة عرض نفسه على القبائل شأنه كل عام ، فبينما هو عند

--> ( 30 ) الطبقات الكبرى لابن سعد : 1 / 200 و 201 ، وروى ابن إسحاق نحوه ، انظر سيرة ابن هشام : 1 / 423 ( 31 ) سيرة ابن هشام : 1 / 425 ، وتاريخ الطبري : 2 / 350