محمد سعيد رمضان البوطي

102

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ولكن الحقيقة أنه عليه السلام قد استقبل تلك المحن راضيا ، وتجرع تلك الشدائد صابرا محتسبا ، وإلا فقد كان بوسعه - لو شاء - أن ينتقم من السفهاء الذين آذوه ومن الزعماء الذين أغروا به أولئك السفهاء وردوه ذلك الرد المنكر ، ولكنه عليه السلام لم يشأ ذلك . ودليل ذلك ، ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يا رسول اللّه هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال : لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال : إن اللّه عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت . قال : فناداني ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال : يا محمد إن اللّه قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك . فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين . فقال رسول اللّه : بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه وحده لا يشرك به شيئا » . إذن فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يعلّم أصحابه وأمته من بعده بما كان يلاقيه ، الصبر ، بل وفن الصبر أيضا على جميع الشدائد والمكاره في سبيل اللّه عز وجل . ربما يقول قائل : فما معنى ارتفاع صوته بالشكوى إذن ، وما معنى دعائه الذي تدل ألفاظه وصيغته على الضجر والملل من طول المحاولة التي لم تأت بنتيجة إلا الأذى والعذاب ؟ والجواب ، أن الشكوى إلى اللّه تعبد ، والضراعة له والتذلل على بابه تقرب وطاعة . وللمحن والمصائب حكم ، من أهمها أنها تسوق صاحبها إلى باب اللّه تعالى وتلبسه جلباب العبودية له ، فليس إذن بين الصبر على المكاره والشكوى إلى اللّه تعالى أي تعارض ، بل الواقع أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يعلمنا في حياته كلا الأمرين ، فكان بصبره الشديد على المحن يعلمنا أن هذه هي وظيفة المسلمين عامة والدعاة إلى اللّه خاصة ، وكان بطول ضراعته والتجائه إلى اللّه تعالى يعلمنا وظيفة العبودية ومقتضياتها . على أن النفس البشرية مهما تسامت فهي لا تتجاوز دائرة بشريتها على كل حال ، والإنسان مجبول في أصل فطرته على الإحساس والشعور . . الشعور بلذة النعيم والشعور بألم العذاب ، وهو مجبول على الركون إلى الأول والفزع من الثاني . وهذا يعني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حتى وهو يوطّن نفسه لتلقي كل أنواع الضر والعذاب في سبيل ربه فهو مع ذلك بشر ، يتألم للضر ويستريح للنعيم .