محمد سعيد رمضان البوطي
100
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
هجرة الرسول إلى الطائف ولما نالت قريش من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما وصفناه من الأذى ، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند اللّه عز وجل . ولما انتهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف ، هم يومئذ ساداته ، فجلس إليهم ودعاهم إلى اللّه وكلمهم بما جاءهم من أجله ، فردوا عليه ردا منكرا ، وفاجؤوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول . فقام رسول اللّه من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذن ، فلم يجيبوه إلى ذلك أيضا . ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لتدميان ، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شجّ في رأسه عدة شجاج « 16 » ، حتى وصل رسول اللّه إلى بستان لعتبة بن ربيعة ، فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فعمد عليه الصلاة والسلام ، وقد أنهكه التعب والجراح ، إلى ظل شجرة عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه . فلما اطمأنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك الظلّ ، رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء : « اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك » . ثم إن ابني ربيعة - صاحبي البستان - تحركت الشفقة في قلبيهما ، فدعوا غلاما نصرانيا لهما يقال له ( عداس ) فأرسلا إليه قطفا من العنب في طبق ، فلما وضع عداس العنب بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقال له : كل ، مدّ الرسول يده قائلا : بسم اللّه . ثم أكل ، فقال عداس متعجبا : واللّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له الرسول : ومن أي البلاد أنت ؟ وما دينك ؟ قال : نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى ( قرية بالموصل ) ، فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال عداس : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ذلك أخي ، كان نبيا وأنا نبي . . فأكبّ عداس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه » « 17 » .
--> ( 16 ) طبقات ابن سعد : 1 / 196 ( 17 ) انظر تفصيل ذلك في سيرة ابن هشام : 1 / 420