سيد جميلي

53

غزوات النبي ( ص )

أمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بجوابه عند افتخاره بالهته ، وبشركه الفاحش ، تعظيما للتوحيد ، وإقرارا به في مواجهة الوثنية المقبوحة ، وإعلاما بعزة اللّه معبود المسلمين الموحدين ، وقوة جانبه ، ولم يأمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإجابته عندما قال : أفيكم محمد ؟ أفيكم ابن أبي قحافة ؟ أفيكم عمر ؟ بل لقد روي أنه صلى اللّه عليه وسلم نهاهم عن ذلك ، فقال لا تجيبوه ، لأن كلمهم لم يكن بر وبعد في طلب القوم ، ونار غيظهم بعد متوقدة ، فلما قال لأصحابه : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، حمي عمر بن الخطاب ، واشتد غضبه ، وقال : كذبت يا عدو اللّه ، فكان في هذا الإعلام من الإذلال ، والشجاعة ، وعدم الجبن ، والتعرف إلى العدو في تلك الحال ما يؤذنهم بقوة القوم وبسالتهم ، وأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا ، وأته وقومه جديرون بعدم الخوف منهم ، وقد أبقى اللّه لهم ما يسوؤهم منهم ، وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنه وظن قومه أنهم أصيبوا من المصلحة وغيظ العدو ، والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدا واحدا ، فكان سؤاله عنهم ، ونعيهم لقومه آخر سهام العدو وكيده ، فصبر له النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى استوفى كيده ، ثم انتدب له عمر ، فرد سهام كيده عليه ، وكان ترك الجواب أولا عليه أحسن ، وذكره ثانيا أحسن ، وأيضا فإن في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانة له ، وتصغيرا لشأنه ، فلما منّته نفسه موتهم ، وظن أنهم قد قتلوا ، وحصل له بذلك من الكبر والأشر ما حصل كان في جوابه إهانة له ، وتحقير ، وإذلال ، ولم يكن هذا مخالفا ، لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تجيبوه » « 1 » فإنه إنما نهى عن إجابته حين سأل : أفيكم محمد ؟ أفيكم فلان ؟ ، أفيكم فلان ؟ ولم ينه عن إجابته حين قال : أما هؤلاء ، فقد قتلوا ، وبكل حال ، فلا أحسن من ترك إجابته أولا ، ولا أحسن من إجابته ثانيا . ثم قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، فأجابه عمر ، فقال : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار « 2 » .

--> ( 1 ) - زاد المعاد لابن قيم الجوزية ( 3 / 202 ، 203 ) . ( 2 ) - حديث حسن أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 1 / 287 ، 288 و 463 ) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - .