أحمد عبد الفتاح زواوي
18
شمائل الرسول ( ص )
وأضاف الحافظ ابن حجر - رحمه اللّه - كلاما جميلا تعليقا أيضا على هذا الحديث فقال : ( أعلمهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم أنه وإن كان غفر اللّه له لكنه مع ذلك أخشى الناس لله وأتقاهم ، فما فعله صلى اللّه عليه وسلّم من عزيمة ورخصة فهو في غاية التقوى والخشية ، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجد في العمل قياما بالشكر ، ومهما ترخص فيه فإنما هو للإعانة على العزيمة ليعملها بنشاط ، وأشار بقوله - أعلمهم - إلى القوة العلمية وبقوله - أشدهم له خشية - إلى القوة العملية ، أي أنا أعلمهم بالفضل وأولاهم بالعمل به ) « 1 » . وأعتقد أن من الحكم في أخذ النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالرخص في بعض الأمور ؛ هو التوسعة على الأمة ، وإرادة رفع الحرج عنها ، ولذلك كان الذم كل الذم لمن لم يرض بالتوسعة فرد الرخص . قال الإمام النووي - رحمه اللّه - : ( وإنما يكون القرب إليه - سبحانه وتعالى - ، والخشية له على حسب ما أمر به النبي صلى اللّه عليه وسلّم لا بمخيلات النفوس وتكلف أعمال لم يأمر بها النبي صلى اللّه عليه وسلّم ) « 2 » . لذلك قلت انفا : إن مدار الأمر كله في الاتباع وليس في التعمق في العبادة . والحرص على نشر السنة وتبليغها للناس أمر عظيم من أبواب محبة النبي صلى اللّه عليه وسلّم وتعظيمه ؛ لأن في ذلك سعيا لإعلاء سنته ، ونشرا لهديه بين الناس ، ومن مقتضيات ذلك الحرص على إماتة البدع والضلالات المخالفة لأمره وهديه ، ولا شك في أن الابتداع في دينه من خوارم المحبة الصادقة ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ » . ويجدر بنا في هذا المقام أن نذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية « 3 » - قدس اللّه روحه حيث يقول : ( ومن المعلوم أنه لا تجد أحدا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله ، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت ، وأن ذلك الحديث لم يرد ، ولو أمكنه كشط الحديث من قلبه ، وقيل عن بعض رؤوس الجهمية - إما بشر المريسي « 4 » أو غيره : أنه قال : ليس شيء أنقص لقولنا من القران ، فأقرّوا به في
--> ( 1 ) انظر « فتح الباري » ( 13 / 279 ) . ( 2 ) انظر « شرح النووي على صحيح مسلم » ( 15 / 107 ) : ( 3 ) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم النميري الحراني الدمشقي الحنبلي ، تقي الدين ابن تيمية : الإمام ، شيخ الإسلام ولد في حران ، عام ( 661 ه ) ، ومات بدمشق عام ( 728 ه ) . ( 4 ) هو بشر بن غياث ابن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي ، العدوي بالولاء ، أبو عبد الرحمن : فقيه معتزلي عرف بالفلسفة يرمى بالزندقة ، وهو رأس الطائفة « المريسية » القائلة بالإرجاء وإليه نسبتها ، كان قصيرا دميم المنظر ، مات عام ( 218 ه ) .