أحمد عبد الفتاح زواوي

16

شمائل الرسول ( ص )

وما أجمل ما أراد أن يبينه البخاري رحمه اللّه - إمام أهل السنة - في الترجمة ، فقد وضع للأمة قاعدة عظيمة مفادها : أن الحاكم إذا اجتهد - أي بذل غاية جهده في المسألة ، وجاء حكمه بخلاف سنة النبي صلى اللّه عليه وسلّم وكانت تلك المخالفة نتيجة عدم العلم بحكم النبي صلى اللّه عليه وسلّم فحكمه مردود غير معتبر شرعا ، فما بالنا لو جاء حكم القاضي أو الحاكم مخالفا سنة النبي صلى اللّه عليه وسلّم دون أن يبذل جهده في إصابة السنة ، أو حكم بخلافها متعمدا ، فهل ينفذ حكمه ؟ قطعا لا . وإذا كان حكم القاضي أو الحاكم أو من ينيبه مردودا إذا خالف سنة النبي صلى اللّه عليه وسلّم فمن باب أولى حكم من دونهم في المرتبة . بعض فوائد الحديث : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد » : الفائدة الأولى : عدم مشروعية الزيادة في الدين ، وأن زيادة مردودة على صاحبها ، بل يأثم على هذه الزيادة ، سواء هو الذي أحدثها أو باشرها ، لما ثبت عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه ، حتّى كأنّه منذر جيش يقول : « صبّحكم ومسّاكم » ، ويقول : « بعثت أنا والسّاعة كهاتين » ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى ، ويقول : « أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب اللّه ، وخير الهدى ، هدى محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلالة » « 1 » . قال الحافظ ابن حجر - رحمه اللّه - : ( والمحدثات : جمع محدثة والمراد بها ما أحدث ، وليس له أصل في الشرع ، ويسمى في عرف الشرع ( بدعة ) وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة ) « 2 » . وقال - رحمه اللّه - : وثبت عن ابن مسعود قوله : « قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم ؛ فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول » « 3 » . الفائدة الثانية : كما لهذا الدين وغناه عن كل ما سواه ، وأن من ابتدع فيه فقد شكك في هذا الكمال ، والدليل ذم الزيادة والإحداث فيه ، ولولا الكمال بل والجمال ما كان لذم الإحداث وجه ، فإن كل أمر ناقص يحتاج إلى الزيادة . ويتفرع عليه : صلاح هذا الدين ومناسبته لكل فرد من أفراد الأمة على اختلاف

--> ( 1 ) مسلم ، كتاب : الجمعة ، باب : تخفيف الصلاة والخطبة ، برقم ( 876 ) . ( 2 ) انظر « فتح الباري » ( 13 / 253 ) . ( 3 ) انظر « فتح الباري » ( 13 / 253 ) .