نجاح الطائي

322

السيرة النبوية ( الطائي )

وإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث ، ولا يقبل الثناء إلّا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام . وكان سكوته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على أربع : الحلم والحذر والتقرير والتفكر . ولقد دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المسجد وعليه ثوب نجراني غليظ الضّفّة فأتاه أعرابي من خلفه فأخذ بجانب ردائه فاجتذبه حتى أثّرت الضفة في صفحة عنق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال : يا محمد أعطنا من مال اللّه عزّ وجلّ الذي عندك ، فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمر له « 1 » . وقالت عائشة : ما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ضرب خادما له ولا امرأة قط ، ولا ضرب بيده شيئا إلّا أن يجاهد في سبيل اللّه عزّ وجلّ ، ولا نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلّا أن يكون للّه ، فإن كان للّه انتقم « 2 » . فوصفه اللّه تعالى بأسمى وصف : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 3 » . ولم يكن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اسم في مكة غير الصدوق الأمين « 4 » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم لا يتكلف في أموره يأكل على الأرض ، ويجلس ويمشي في الأسواق ، ويلبس العباءة ، ويجالس المساكين ويقعد القرفصاء ويتوسّد يده ويقول : إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب العبد « 5 » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فردا مثل سائر الناس لا يتميز عليهم برئاسة ، ولا يتكبر عليهم بنبوة ولا يشمخ عليهم بنسب . بينما تلاحظ أغلب الناس سابقا ولاحقا يترفعون على سائر الأمّة بعلومهم ومناصبهم وأنسابهم وأموالهم الوضيعة . فقد دخل رجل على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه فلم يعرفه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعدم تميزه عنهم بمجلس سام ولباس فاخر وحرس زاجر مما اضطره للقول : أيّكم محمد ؟

--> ( 1 ) مختصر تاريخ ابن عساكر 2 / 80 ، 81 . ( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) سورة القلم 4 . ( 4 ) عيون الأثر 1 / 69 ، البدء والتاريخ ، البلخي 2 / 46 . ( 5 ) العقد الفريد ، ابن عبد ربه 4 / 237 .