نجاح الطائي

300

السيرة النبوية ( الطائي )

مقتل جنّي في مسجد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانت أم المؤمنين عائشة تتوسل بالقوة لحل المعضلات وتضرب بيد من حديد كل من يخالف منهجها وأهدافها كائنا من كان . والبعض يتوسل بالصفح والعفو لحل المشكلات . لذلك تصادمت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومع علي عليه السّلام ومع فاطمة عليها السّلام ومع غيرهم فرحموها استنادا إلى منهجهم في إدارة الأحداث ، وقياسا على تعاملها هذا لم تكن تتصوّر أنّ عليا عليه السّلام سيتعامل معها بلطف عال بعد معركة الجمل ، لسجلها الخطير في معارضة أهل البيت عليهم السّلام ومحاولاتها في تحطيم اطروحاتهم . أمّا عن علاقة السيدة عائشة مع سائر الناس ففي رواية « كان جان يطلع على عائشة ، فحرّجت عليه مرّة بعد مرّة فأبى إلّا أن يظهر ، فعدت عليه بحديدة فقتلته . فأتيت في منامها ، فقيل لها : أقتلت فلانا وقد شهد بدرا ، وكان لا يطلع عليك لا حاسرا ولا متجردة ، إلّا أنّه كان يسمع حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فأخذ منها ما تقدّم وما تأخر ، فذكرت ذلك لأبيها . فقال : تصدّقي بإثني عشر ألف ديته » « 1 » . بعد قراءتنا لهذه الرواية نفهم أنّ عائشة قد قتلت شخصا مسلما ، قد اشترك في معركة بدر إلى جنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ولكن يد السياسة قد حرّفت الخبر فقد نسخته جانا بعد أن كان إنسيا ؛ إذ لا يعقل قتل عائشة لفرد من الجن بيديها الضعيفتين ! وهل يمكن قتل الجان ؟ وكان الحزب القرشي قد تعوّد منذ الجاهلية إلقاء مسؤولية الأحداث على الجن ، للهروب من تبعات الأمور ومخاطرها . فقد قتل كفار قريش طالب بن أبي طالب في معركة بدر لمخالفته المشاركة في قتال رسول واتهموا الجن بقتله « 2 » . ولما قتل محمد بن مسلمة ( مأمور عمر الخاص ) سعد بن عبادة في الشام سارعت السلطة لاتهام الجن بذلك . وأقدمت عائشة على تسطير شعر تأييدا لذلك ! « 3 » .

--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء ، الذهبي 2 / 196 ، 2 / 198 ، تذكرة الحفاظ ، الذهبي 1 / 29 . ( 2 ) السيرة الحلبية 2 / 154 . تاريخ الطبري 2 / 144 . ( 3 ) تاريخ الإسلام ، الذهبي 3 / 149 ، أنساب الأشراف ، البلاذري ، العقد الفريد ، ابن عبد ربه 4 / 247 .