عبد الشافى محمد عبد اللطيف
92
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
أوزارها عشر سنين - طبقا لمعاهدة الحديبية - وذلك بعد أن أحرجتها سياسة النبي صلّى اللّه عليه وسلم السلمية أمام العرب ، فاضطرت إلى تغيير موقفها راغمة ، وتسامع العرب في شبه الجزيرة بأمر صلح الحديبية ، وعلموا أن قريشا بدأت تلين كانت نتيجة ذلك ازدياد عدد الداخلين في الإسلام من العرب ، هذه الزيادة التي ظهر أثرها في فتح مكة - عندما نقضت قريش صلح الحديبية - وسار النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمام المسلمين - عشرة آلاف - ليؤدبها ويعلّمها الالتزام بالعهود والمعاهدات . فلما فتحت مكة ، وأسلمت قريش ، علم العرب جميعا بدخول النبي صلّى اللّه عليه وسلم مكة ظافرا منتصرا ، وعلموا أن قريشا أسلمت بعد أن عفا عنها النبي وتجاوز عن سيئاتها معه . ماذا كانت النتيجة ؟ جاءت وفود العرب من جميع أنحاء شبه الجزيرة معلنة إسلامها ؛ حتى سمّي العام التالي لفتح مكة - العام التاسع الهجري - : عام الوفود ، وقد ظهر الأثر الملموس لهذه النتيجة في عدد الجيش الذي سار خلف النبي صلّى اللّه عليه وسلم في العام التاسع في غزوة تبوك ، فقد بلغ عدد هذا الجيش ثلاثين ألفا من المسلمين « 1 » . أرأيت كيف كان موقف قريش من الدعوة الإسلامية مهمّا لنجاح هذه الدعوة وانسيابها في شبه الجزيرة العربية وخارجها ؟ أرأيت كيف كانت قريش عقبة رئيسية في طريق الدعوة الإسلامية ؟ ولعلك تعلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن عاد من الحديبية وبعد أن أمن جانب قريش من ناحية الجنوب ، قصد توّا إلى خيبر ليصفي الحساب مع هذا الوكر من أوكار الخيانة والغدر التي كانت طابع اليهود ، فقد أصبحت خيبر مركزا للتامر على الإسلام « 2 » بعد أن لجأ إليها فلول المطرودين من المدينة من بني قينقاع وبني النضير . وفتح اللّه خيبر لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ثم بعد ذلك توجّه رسول اللّه بدعوته إلى العالم ممثلا في ملوكه وزعمائه ، فكانت رسائله إلى كسرى فارس ، وقيصر الروم ، ونجاشي الحبشة ، ومقوقس مصر ، وغيرهم من الزعماء والأمراء « 3 » . كل هذا النشاط ، سواء القضاء على نفوذ اليهود في خيبر وما جاورها من مستعمرات اليهود - في فدك وتيماء ووادي القرى - أو التوجه بالدعوة الإسلامية إلى النطاق
--> ( 1 ) ابن سعد - الطبقات ( 2 / 166 ) . ( 2 ) منتجومري وات - محمد في المدينة ( ص 332 ) . ( 3 ) انظر رسائل النبي صلّى اللّه عليه وسلم لهؤلاء الملوك والأمراء في المصادر الآتية : ابن حجر - فتح الباري ( 1 / 32 ) وما بعدها ، صحيح مسلم بشرح النووي ( 12 / 107 ) ، محمد حميد اللّه - مجموعة الوثائق ( ص 81 ) وما بعدها .