عبد الشافى محمد عبد اللطيف

84

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

* قريش تصادر ديار المهاجرين وأموالهم : ظلّ المسلمون في مكة منذ بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى الهجرة للمدينة وهم يعانون من قريش ، ومن سوء معاملتها لهم ، واضطهادها إيّاهم وتعذيبهم ، وتجويعهم ، وترويعهم ، لتفتنهم عن دينهم ، وهم صابرون محتسبون ، ينتظرون الفرج والمخرج من عند اللّه مما هم فيه . وما حلّ بال ياسر وبلال وخبّاب بن الأرتّ ، وصهيب مشهور ومعروف . وإذا كانت الهجرة إلى الحبشة « 1 » قد حلّت مشكلة بعض المسلمين ، فلا زالت الغالبية منهم في مكة تعيش في ضيق ، وفي عنت شديد تنتظر انكشاف المحنة ، ومع أن مكّة أحب بلاد اللّه إليهم جميعا ، إلا أن فرحتهم كانت عظيمة عندما أذن لهم الرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة ، وودّعوا مكة إلى حين . يقول ابن إسحاق : « فلما أذن اللّه تعالى له صلّى اللّه عليه وسلم في الحرب ، وتابعه هذا الحيّ من الأنصار على الإسلام والنّصرة له ولمن اتّبعه ، وأوى إليهم من المسلمين ؛ أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه من المسلمين بمكة بالخروج إلى المدينة ، والهجرة إليها ، واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال : « إن اللّه عزّ وجلّ قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها » فخرجوا أرسالا ، وأقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمكة ينتظر إلى أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة » « 2 » . هكذا بدأت بشائر الفرج تأتي من يثرب - المدينة المنورة - وأصبح للمسلمين هناك إخوان يأمنون عندهم ، كما أخبرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فليتوكلوا على اللّه ، ولا يلوون على شيء في مكة كائنا ما كان . ولماذا يلوون على شيء واللّه تعالى يقول : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ النساء : 100 ] ؟ ! لذلك ترك المسلمون ديارهم وأموالهم في مكة مهاجرين في سبيل اللّه ، وهناك أسر بكاملها غلّقت دورها في مكة وآثرت أن تعبد اللّه في حرية وأمان في كنف إخوانهم الأنصار في المدينة . يقول ابن إسحاق : « وتلاحق المهاجرون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلم يبق منهم بمكة أحد إلا مفتونا أو محبوسا ، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى اللّه تبارك وتعالى وإلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا أهل دور مسمّون :

--> ( 1 ) انظر تفاصيل الهجرة إلى الحبشة في ابن هشام ( ج 1 ) . وابن كثير - السيرة النبوية ( 2 / 3 ) وما بعدها . ( 2 ) ابن هشام ( 2 / 76 ) .