عبد الشافى محمد عبد اللطيف

81

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

العلاقات بين المسلمين وقريش من الهجرة إلى بدر عندما هاجر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، على الوضع المعروف ، لم يكن من خطته أن يبدأ قريشا بالحرب إزاء ما قامت به ضد الدعوة خلال ثلاثة عشر عاما . . بل كانت هناك فترة بين الهجرة وبدر كانت بمثابة « هدنة مسلحة » ، هذه الفترة - وهي موضوع بحثنا - تؤكد لنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن من خطته حرب قريش ولا تدميرها والقضاء عليها ، فهو عليه السّلام - في أصل رسالته - لم يأت لتدمير قريش ولا غيرها ، وإنما جاء رحمة للعالمين ، ونحن نعرف من سيرته صلّى اللّه عليه وسلم أنه وهو في أقسى الظروف وعندما بلغ أذى قومه له غاية السوء لم يطلب ولم يتمنّ هلاكهم ، وإنما رجا من اللّه تعالى هدايتهم إلى الصراط المستقيم ، وأن يخرج من أصلابهم من يعبد اللّه وحده ولا يشرك به شيئا . فقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد اللّه بن وهب عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي اللّه عنها حدثته أنها قالت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من أحد ؟ قال : « ما لقيت من قومك كان أشد منه ، يوم العقبة ؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السّلام ، فناداني فقال : إن اللّه قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك ، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت . ثم ناداني ملك الجبال فسلّم عليّ ثم قال : يا محمد قد بعثني اللّه ، إن اللّه قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني ما شئت ، إن شئت تطبق عليهم الأخشبين » . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه لا يشرك به شيئا » « 1 » . ومن الجدير بالذكر أن الفترة التي نحاول أن نتناولها من سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم - وهي ما بين الهجرة وبدر - شهدت تحركات عسكرية ؛ سرايا وغزوات ، ولكن لم يصطدم المسلمون بقريش ، وهذا فيما يبدو لنا كأنه كان تلويحا لقريش بالقوة ، وإفهامها أن استخدام القوة ضدها لم يكن أمرا مستبعدا من جانب المسلمين ، إذا هي لجّت في عنادها ، فعليها أن تفكر جيدا في الأمر ، وعليها أن تضع في حسابها أنها

--> ( 1 ) ابن كثير - السيرة النبوية ( 2 / 152 ، 153 ) .