عبد الشافى محمد عبد اللطيف
73
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
كانوا يعدون بلدهم لتكون مقر مملكة صغيرة محدودة ، فأراد اللّه لها أن تكون مهاجر نبيه ومنطلق رسالته وعاصمة لدولة الإسلام العالمية ، فقد كانت الاتصالات المباشرة بدأت بينهم وبين النبي صلّى اللّه عليه وسلم الذي فتح لهم أبواب التاريخ على مصاريعها . * صدى الدعوة في يثرب بعد اتصالاتها المباشرة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم : لقد خيبت ثقيف أمل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، عندما ذهب إليهم يعرض عليهم دعوته ويلتمس منهم النصر والمؤازرة ، وردوه ردّا قبيحا أثر فيه وآلمه ، ولكنه لم ينل من عزيمته وإصراره على المضي قدما في تبليغ رسالته مهما كانت الصعاب ، ولذلك كانت الفترة التي أعقبت رحلة الطائف من أقسى الفترات على النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ولقد عبر نفسه عليه السّلام عن ذلك عندما سألته السيدة عائشة رضي اللّه عنها قائلة : « هل أتى عليك يوم هو أشد من يوم أحد ؟ » فأخبرها أن ما رآه من أهل الطائف وما سببه له ذلك الموقف كان أشد وأقسى « 1 » . ولقد ازدادت مناوآت قريش وأذاها للرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه في تلك الفترة ، لموت خديجة وأبي طالب ، ولكنه لم يضعف ولم يهن ، وبدأ يعرض نفسه على وفود القبائل العربية التي كانت تأتي الموسم ، لعله يجد من بينهم نصيرا أو معينا ، بعد أن صدته وآذته قريش ولم يجد خيرا عند ثقيف ، فعرض نفسه على كندة وكلب وبني حنيفة وبني عامر بن صعصعة وغيرهم « 2 » ، فلم يجد عند أحد منهم خيرا . والحقيقة أن هذه القبائل كانت ترى أنها لو تابعت محمدا فإن قريشا سوف تعتبر هذا عداء سافرا لها ، ولم يكن أحد من العرب يود أن يفتح بينه وبين قريش بابا للعداء ؛ وذلك لمكانة قريش من العرب ، وللروابط العديدة التي كانت تربطها بها ، كما أن قريشا كانت تلاحق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لتنفّر الناس منه ولتفسد عليه أمره « 3 » . ولكن بينما كانت
--> ( 1 ) ابن كثير - السيرة النبوية ( 2 / 152 ) . ( 2 ) ابن هشام - المصدر نفسه ( 2 / 32 ، 33 ) . ( 3 ) قال ابن إسحاق : « وحدثني حسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عباس ، قال : سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبي ؛ فقال : إني لغلام شاب مع أبي بمنى ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول : « يا بني فلان إني رسول اللّه إليكم ، يأمركم أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي وتصدقوني حتى أبين عن اللّه ما بعثني به » قال : وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية ، فإذا فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من قوله وما دعا إليه ، قال ذلك الرجل : يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم . . . -