عبد الشافى محمد عبد اللطيف

70

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم * لنا غاية قد يهتدي بالذوائب وأنتم لهذا الناس نور وعصمة * تؤمون والأحلام غير عوازب وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر * لكم سرة البطحاء شم الأرانب « 1 » ودلالة هذه القصيدة ، أن أهل يثرب كانوا يحرصون على أن تنهي قريش عداوتها للنبي ، وأن تقبل دعوته ، وإذا هي فعلت فإن العرب سيتبعونها ؛ لأنها إمام العرب وهاديهم « 2 » وخليقة بأن تسن لهم دينا يؤمنون به . ويعني ذلك أن أهل يثرب كسائر العرب كانوا يعلقون اتباعهم للنبي على إيمان قريش به ومتابعتها له ، لكن موقف يثرب هذا سيتغير ويتطور ، ولن تنتظر يثرب حتى تؤمن قريش بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، بل سيأخذون زمام المبادرة ، وسيدعونه إلى بلدهم ويكونون هم بقيادته صلّى اللّه عليه وسلم الذين سيجبرون قريشا على الإذعان للدعوة بالقوة . * صدى الدعوة لدى اليهود في يثرب : اختلف صدى الدعوة لدى يهود يثرب عنه لدى عربها ، فاليهود كانوا أعلم الناس بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حتى قبل أن يبعث ؛ لأنه مذكور عندهم في كتبهم ، كما يؤكد ذلك القرآن الكريم . يقول تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ . . [ الأعراف : 157 ] . فكان المنتظر من اليهود أن يكونوا أول من يؤمن برسول اللّه ويصدقه ويؤازره ، وكان من المفروض أن يسعوا إليه في مكة ويسبقوا العرب ، لعلمهم بصدقه وصدق رسالته ، وأنها آخر الرسالات ، وهم أنفسهم كانوا يستفتحون على العرب بقرب ظهور الرسول ، وأنهم عندما يظهر سيؤمنون به ويقاتلونهم معه قتل عاد وإرم « 3 » . لكن الواقع أن الذي حدث من اليهود كان عكس المنتظر تماما « 4 » ، فما أن علموا بظهور النبي صلّى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) القصيدة طويلة . انظرها في ابن هشام ( 1 / 300 - 305 ) . ( 2 ) ابن خالدون - المقدمة ( ص 163 ) . ( 3 ) ابن هشام - المصدر نفسه ( 1 / 231 ) . ( 4 ) لم يكن هذا هو موقف كل اليهود ، بل كان موقف الغالبية العظمى منهم ، وهناك قلة قليلة جدّا آمنوا باللّه ورسوله ، كما تشير الآية رقم ( 157 ) من سورة الأعراف المكية ، فهي صريحة بإسلام بعض اليهود في مكة وإن كان عددهم قليلا . فالآيات المكية يستلهم منها أنه لم يكن في مكة يهود كثيرون ، وإنما كانوا أفرادا مستقرين أو أفرادا يترددون عليها ، أو أفرادا من النوعين . انظر على سبيل المثال الأنعام : 114 ، يونس : 94 ، الرعد : 36 ، الإسراء : 107 ، 108 ، القصص : 52 ، 53 ، الشعراء : 196 ، 197 ، والنمل : 76 وانظر محمد عزة دروزة - المرجع نفسه ( ص 404 ) وهامشها .