عبد الشافى محمد عبد اللطيف

422

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

ومن هذا القبيل كتب أصغر حجما وتعنى بالتأريخ للاستشراق والمستشرقين ، في أقطار معينة ، مثل دراسة المستشرق الألماني رودي بارت بعنوان « الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية » ، ودراسة الدكتور إسحاق موسى الحسيني بعنوان « علماء المشرقيات في إنجلترا » . . . إلخ ، من يطالع هذه الكتب وأمثالها يدرك حجم واتساع حركة الاستشراق ، وأنها وإن بدأت ضيقة الأفق في الأوساط الكنسية والديرية ، إلا أنها بدأت تتخلص من بعض النظرات المتعصبة الحاقدة ، وبدأنا نقرأ أبحاثا فيها كثير من الإنصاف للإسلام ورسوله وحضارته ، بل بدأنا نرى علماء كثيرين في الغرب يعترفون صراحة بفضل الحضارة العربية الإسلامية على الحضارة الأوربية ، وأنها كانت الأساس والشرارة التي انطلقت منها النهضة الأوربية ، ومن هذا القبيل كتاب المستشرقة الألمانية سيجريد هونكه « شمس اللّه تسطع على الغرب » . لكن للأسف الشديد ، وعلى الرغم من تحرر كثير من المستشرقين من نظرة الحقد والتعصب على الإسلام في كتاباتهم وأبحاثهم ، إلا أن ذلك كله ظل في دائرة العلماء والأوساط الأكاديمية ، وظلت الصورة الشائعة الكريهة التي رسمتها الأبحاث المتعصبة هي الباقية والمترسبة في الذهنية الأوربية بصفة عامة ، فنظرة الرجل الأوروبي العادي إلى الإسلام ، وكل من وما ينتمي إليه نظرة يحكمها الاستعلاء والازدراء ؛ لأن مناهج التعليم التي يتلقاها الأطفال في أوروبا وأمريكا حافلة بكل ما يحقر من الإسلام والمسلمين ، فعندما يشب هؤلاء الأطفال ، وينهون دراساتهم ، ويصبحون رجالا في مواقع المسؤولية وإصدار القرار ؛ فإنهم لا يستطيعون انفكاكا من الصورة القبيحة التي تلقوها عن الإسلام في مراحل التعليم المختلفة ، فتكون تصرفاتهم وقراراتهم فيما يتعلق بعلاقاتهم بالعالم الإسلامي محكومة بصفة عامة بهذه الخلفية ، ولا تؤثر فيها مطلقا الدراسات المنصفة ؛ لأنها تجد الرواج على نطاق واسع ، ويبدو أن الأمر متعمد ، والدلائل على ذلك لا حصر لها . نعود إلى الحديث عن بداية الاستشراق والدراسات الاستشراقية ، تلك البداية التي لم يحسم القول فيها حتى الآن ، وإن كنا نتفق مع من يرى أنها تعود إلى بدايات ظهور الإسلام ، واحتكاكه بالعالم المسيحي الذي بدأ أولا في ساحات القتال كما أشرنا فيما سبق . ولقد بدأ الاستشراق في الشرق نفسه قبل أن يبدأ في الغرب ، وعلى أيدي رجال اللاهوت المسيحي في الكنائس والأديرة ، فالقديس يوحنا الدمشقي ( 80 - 137 ه / 700 - 755 م ) الذي كان واحدا من كبار رجال الكنيسة في الشام ،