عبد الشافى محمد عبد اللطيف

420

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

بجهلهم واتبعوه ، ولم يلبث هؤلاء الجياع أن عاثوا بدينهم هذا في الأرض فسادا يفتحونها بسيوفهم ، حتى كان ما كان ، ودان لهم من غوغاء الأمم من دان ، وقامت لهم في الأرض بعد قليل ثقافة وحضارة جلها مسلوب من ثقافات الأمم السابقة ، كالفرس والهند واليونان وغيرهم ، حتى لغتهم كانت مسلوبة وعالة على العبرية والسريانية والآرمية والفارسية والحبشية ، ثم كان من تصاريف الأقدار أن يكون علماء هذه الأمة العربية من غير أبناء العرب ( الموالي ) ، وأن هؤلاء هم الذين جعلوا لهذه الحضارة كلها معنى . هذا هو جوهر الصورة التي بثها المستشرقون في كل كتبهم عن دين الإسلام ، وعن علوم أهل الإسلام ، وفنونهم ، وآثارهم وحضارتهم ، وأن هذه الحضارة إنما هي إحدى حضارات القرون الوسطى المظلمة ، بثوا تلك الصورة في كل كتبهم ، بمهارة وحذق وخبث مغرق ، وبأسلوب يقنع القارئ الأوروبي المثقف الآن كل الإقناع ، وتنحط في نظره حضارة الإسلام وثقافته ، انحطاط القرون الوسطى ، ويزداد بذلك زهوا ؛ فإن أسلافه من اليونان والأوربيين كانوا هم ركائز هذه الحضارة المزيفة الملفقة دينا ولغة وعلما وثقافة وأدبا وشعرا ، ويزداد الأوروبي - أيّا كان - غطرسة وتعاليا وجبرية ، ولا يرى في الدنيا شيئا له قيمة إلا وهو مستمد من أسلافه الأوربيين » « 1 » . وإذا كان أحد يرتاب في هذا الكلام ، ويدعي أنه رأي عالم مسلم متحامل على المستشرقين ، فإليك أنموذجا من كلامهم وآرائهم في الإسلام والمسلمين . يقول المستشرق الفرنسي كيمون في كتاب له بعنوان « باثالوچيا الإسلام » : « إن الديانة المحمدية جذام تفشى بين الناس ، وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا ، بل هي مرض مريع وشلل عام ، وجنون ذهولي يبعث بالإنسان على الخمول والكسل ، ولا يوقظه منها إلا سفك الدماء ، أو يدمن على معاقرة الخمر ، ويجمح في القبائح ، وما قبر محمد إلا كعمود كهربائي يبعث الجنون في رؤوس المسلمين ، ويلجئهم إلى الإتيان بمظاهر الصرع العامة ، والذهول العقلي » « 2 » . هذا هو علم معظم المستشرقين ، وهذه هي آراؤهم ونظرتهم إلى الإسلام ورسوله ورسالته ، وهذه النظرة الحاقدة الظالمة هي التي ترسبت في الذهنية الأوربية إلى يوم الناس هذا ، وحتى إذا وجد بعض المصنفين من المستشرقين ، الذين قالوا كلمة الحق

--> ( 1 ) العلامة محمود محمد شاكر - رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ( ص 84 - 86 ) ، طبع دار الهلال بالقاهرة ( 1991 م ) . ( 2 ) نقلا عن كتاب « الفكر الإسلامي الحديث » للدكتور محمد البهي ( ص 51 ) .