عبد الشافى محمد عبد اللطيف
418
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
والرهبان هم أشد حقدا على الإسلام والمسلمين ، وكل مؤلفاتهم لتشويه صورة الإسلام في نظر الغربيين . وإذا كانت الحروب الصليبية قد فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية كما هو معروف ، وأن قوة إسلامية فتية قد بزغت بعد ذلك بقليل منذ مطلع القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي في إقليم الأناضول ؛ وهي الإمارة العثمانية التي تحولت بسرعة إلى دولة ثم إمبراطورية « 1 » متوسعة على حساب أراضي الدولة الرومانية الشرقية ، ثم فتحت معظم أوروبا الجنوبية الشرقية ، وتوجت ذلك بفتح القسطنطينية سنة ( 857 ه / 1453 م ) ، وبذلك قضت تماما على تلك الدولة المسيحية العتيدة ، التي كانت تمثل الفخر والاعتزاز لكثير من الأوربيين ، ولا شك أن سقوط الدولة الرومانية الشرقية وعاصمتها في قبضة العثمانيين قد أوجد شعورا بالمهانة والمذلة في كل أوروبا ، ولا سيما وأن الخطر العثماني قد تعاظم ، وأخذ يهددهم تهديدا شديدا ، وأثار الرعب في نفوسهم لأكثر من قرنين من الزمان ، وأوشك العثمانيون على الاستيلاء على فيينا ، ثم أخذ التاريخ يغير مساره ، فتكالبت كل دول أوروبا على الدولة العثمانية ، وظلت توالي الضغط عليها ، حتى قضت عليها في نهاية الحرب العالمية الأولى سنة ( 1918 م ) واقتسمت دول أوروبا الكبرى المنتصرة في الحرب - وبصفة خاصة إنجلترا وفرنسا - ممتلكات الدولة العثمانية في الشرق . وفي نفس التوقيت تقريبا الذي بدأ فيه الضغط الأوروبي على الدولة العثمانية ، كانت الكنيسة الكاتوليكية في روما وراء طرد المسلمين من أسبانيا ، والقضاء على وجودهم الذي دام هناك نحو ثمانية قرون ، ولم يكتف البرتغاليون والأسبان بطرد المسلمين من الأندلس ، والتنكيل بهم في وحشية وهمجية ، بل أخذوا يلاحقونهم إلى الشمال الإفريقي . ثم كان اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ، وتطويق العالم الإسلامي من الخلف ، كل ذلك بتحريض سافر من الكنيسة ، ونجح الأوربيون في إحكام سيطرتهم على العالم الإسلامي منذ ما يقرب من خمسة قرون ، ولا تزال تلك السيطرة مستمرة ، بل ازدادت ضراوة وقسوة بفضل التقدم المذهل في الاختراعات العسكرية ، ووسائل التجسس والاتصالات وجمع المعلومات ، ولم يحدث أن أحس المسلمون بالذل والهوان وفقدان الكرامة
--> ( 1 ) راجع عن نشأة الدولة العثمانية وتطورها : كتاب الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها ، للدكتور عبد العزيز محمد الشناوي ( 1 / 33 ) وما بعدها .