عبد الشافى محمد عبد اللطيف
416
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ولكن الإمبراطور الكبير المنتصر على الفرس ، والذي كان يعد أقوى رجل في العالم في ذلك الوقت ، ودولته أقوى دولة في الدنيا ، عز عليه أن يفارق دينه النصراني ويؤمن بنبي من العرب ، مع أنه اعترف بصدق رسالته ، فقد روى الطبري أنه جمع كبار أهل مملكته وبطارقته ، وقال لهم : « إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه ، إنه واللّه للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا ، فهلموا فلنتبعه ، ونصدقه ، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا » « 1 » ، لكن قومه لم يطاوعوه . ولو وقف الأمر به وبهم عند عدم الإيمان برسالة الإسلام وتركوا المسلمين يدعون الناس إلى دينهم في حرية وأمان ، لما حدثت حروب بينهم وبين المسلمين ، ولكن الجيش الرومي العرمرم الذي كان عدده نحو ثلاثمائة ألف ، ومعظمه معسكر في الشام لإرهاب الفرس ، وتثبيت انتصاراته عليهم . هذا الجيش لم يترك المسلمين في حالهم ، بل تدخل ضدهم تدخلا سافرا في غزوة مؤتة سنة ( 8 ه ) بدون داع ، وكاد يقضي على الجيش الإسلامي قضاء مبرما ، لولا مهارة القائد الفذ خالد بن الوليد ، الذي استطاع بعبقريته ومهارته العسكرية استخلاص جيشه الصغير - ثلاثة آلاف مسلم - من براثن الجيش الرومي . وتوالت الأحداث بعد ذلك منذورة بصدام لا مناص منه بين المسلمين أصحاب الرسالة التي كلّفهم اللّه تعالى بتبليغها للناس ، وبين دولة الروم التي وقفت لهم بالمرصاد ، تسد الطريق أمامهم بإحكام ، وبدأ الصدام بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي مطلع خلافة الصدّيق أبي بكر ( 11 - 13 ه / 632 - 634 م ) ، واستطاعت جحافل الإسلام فتح الشام في سرعة فائقة ، بعد سلسلة من المعارك الناجحة ، من أهمها اليرموك وأجنادين « 2 » ، ثم توج فتح الشام بتسلم الخليفة عمر بن الخطاب نفسه لبيت المقدس ، من البطريرك صفرونيوس سنة ( 15 ه / 636 م ) ، ثم اضطرت الظروف المسلمين لتأمين فتوحاتهم في الشام إلى السير إلى مصر وفتحها ، ثم تابعوا سيرهم غربا لتحقيق الغرض نفسه ، فأكملوا فتح المغرب كله إلى المحيط الأطلسي ، ثم عبروا مضيق جبل طارق وفتحوا الأندلس ، وأزالوا منها حكم القوط المسيحي ، ثم تقدمت الفتوحات الإسلامية وراء جبال البرانس لتصل إلى أواسط فرنسا ، ثم ازدادت اتساعا لتستولي على معظم جزر البحر الأبيض المتوسط من
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 2 / 649 ، 650 ) ، الطبعة الثانية ، دار المعارف - القاهرة . ( 2 ) تراجع أخبار تلك المعارك في تاريخ الطبري ( 3 / 394 ) وما بعدها .