عبد الشافى محمد عبد اللطيف
402
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
أمريكا ، فلم يخرج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان ذليلا محطما فقط ، بل خرج من الدنيا كلها وحدث الزلزال الذي أودى بالبنيان كله ، فقد زال الاتحاد السوفيتي وترك الساحة العالمية لأمريكا تمرح وتعربد فيها وحدها . وحديثنا ليس عن هذا ولكن عن المجاهدين الذين كانوا قرة عين أمريكا ، والذين ربتهم ودربتهم مخابراتها ذات الخبرة الكبيرة في التدريب على الخراب والدمار . فماذا حدث لهم بعد أن حققوا لها ما كانت تصبو إليه في أفغانستان ؟ يبدو أن أمريكا قد أعدت للأمر عدته ؛ كعادتها في عدم ترك أي شيء للصدفة والارتجال ، ولا شك أن السياسة الغربية كلها لا تعرف الارتجال ، بل تقوم على تخطيط سليم ، يقوم به خبراء متمرسون في كل مجال من مجالات الحياة ؛ لذلك خططت لمصير المجاهدين أثناء جهادهم في أفغانستان حتى إذا انتهت مهمتهم هناك بدأت تستثمرهم في مهمة أخرى ؛ مهمة أيضا بالنسبة لها وهي إرباك العالم الإسلامي وإغراقه في بحور من الفتن والإرهاب ، فقد كان تحالفها مع العالم الإسلامي أثناء الحرب الباردة ضد العالم الشيوعي تحالف ضرورة ، تماما كتحالفها مع العالم الشيوعي نفسه أثناء الحرب العالمية الثانية - ضرورة للوقوف في وجه النازية - وبعد أن انتهت الحرب الساخنة بدأ العداء مع العالم الشيوعي فيما يسمى بالحرب الباردة ، والذي جعل العالم الغربي يتحالف مع العالم الإسلامي ضده ، فلما انتهت الحرب الباردة وسقط العالم الشيوعي وهزم بدون حرب ، تحول العالم الإسلامي من حليف إلى عدو ؛ بل العدو رقم واحد للغرب عامة وأمريكا خاصة ، ومن ثم أخذت أمريكا تعيد تصدير المجاهدين الأفغان إلى أوطانهم الأصلية لكن ليس باسم المجاهدين وإنما باسم الإرهابيين ؛ لأنها شحنتهم بالكراهية الشديدة والعداء لأوطانهم - وآلتها الإعلامية في ذلك رهيبة - فلم يصمد أمامها الزعماء فكيف يصمد أمامها ذلك الشاب الغر ، عاد المجاهدون الأفغان - سابقا - إلى أوطانهم كارهين كل شيء متهمين أوطانهم بالكفر والجاهلية شاهرين أسلحتهم مشيعين الخراب والدمار والقتل بطريقه عشوائية والنماذج على ذلك كثيرة - في الجزائر ومصر وغيرها - ولا زال المسلسل مستمرّا . أمريكا إذن هي الصانعة الأولى لهذا الإرهاب الأسود الذي يعيث فسادا في كثير من البلاد العربية والإسلامية ، وفي الوقت نفسه تلصقه بالإسلام ، وهي التي صنعته ، هي التي تأوي عتاة الإرهابيين في بلادها وتوفر لهم الحماية « 1 » .
--> ( 1 ) د . مصطفي رمضان ، مرجع سابق ( ص 83 ) .