عبد الشافى محمد عبد اللطيف

40

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وسئل علي بن المديني عن إسحاق : كيف حديث محمد بن إسحاق عندك ؟ صحيح ؟ قال : " نعم ، حديثه عندي صحيح " ( 1 ) . وقال أبوبك بن الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن إسحاق كيف هو ؟ فقال : " هو حسن الحديث " ( 2 ) . وقد روي عن الزهري - شيخ ابن إسحاق - وقد خرج إلى قرية له وقد سار خلفه طلاب الحديث يسألونه فالتفت إليهم قائلا : " قد خلفت فيكم الغلام الأحول " ( 3 ) - يعني محمد بن إسحاق - وذكر الساجي أن أصحاب الزهري كانوا يلجؤون إلى محمد بن إسحاق فيما يشكون فيه من حديث الزهري ، ثقة منهم بحفظه ( 4 ) . هذه هي منزلة الرجل ، وتلك هي مكانته عند علماء الحديث ، فقد وثقه وأثنى عليه شيوخه مثل الزهري وعاصم بن عمر ، كما أثنى عليه تلاميذه مثل شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة ، كما وثفه وأثنى عليه اللاحقون من كبار رجال الحديث وعلماء الجرح والتعديل مثل يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ، وهما من أكثر العلماء تشددا في قبول الأحاديث . والجة الوحيدة التي جاء منها تجريح لابن إسحاق ، وتوهين من شأنه في رواية الحديث هي جهة الإمام مالك بن أنس ، من أجل الخلاف الذي كان بينهما ، والذي وضحناه فيما سبق . ولعل الذين توقفوا عن رواية الحديث عن ابن إسحاق ، كانوا متأثرين في ذلك بموقف الإمام مالك بن أنس من ابن إسحاق ، ومالك كان صاحب نفوذ علمي كبير لا يخفى على أحد ، وهو الوحيد الذي لقب بإمام دار الهجرة ، وقد ذاع وشاع القول المأثور الذي صار مثلا : " لا يفتى ومالك في المدينة " ، وكان ذلك القول صحيحا ولم ينكره أحد من العلماء . فقد روي عن ابن وهب أنه قال : " سمعت مناديا ينادي بالمدينة : ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب " ( 5 ) وأهل المدينة هم الذين أمسكوا عن ابن إسحاق ، ولم يقبلوا أحاديثه ، مجاملة لإمامهم - مالك بن أنس - واستمر ذلك الموقف حتى بعد وفاة مالك بزمن طويل . فقد روي عن مفضل بن غسان أنه قال : " حضرت يزيد بن هارون ، سنة ثلاث

--> ( 1 - 3 ) راجع في كل ذلك : تاريخ بغداد ( 1 / 218 - 229 ) . ( 4 ) انظر وفيات الأعيان ( 4 / 276 ، 277 ) . ( 5 ) المصدر السابق ( 4 / 135 ) .