عبد الشافى محمد عبد اللطيف
323
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
والتسامح من جانب المسلمين مع غير المسلمين ليس منحة وامتنانا وإنما هي أوامر إلهية ؛ لأن الحضارة العربية الإسلامية حضارة إيمان ، أي : تؤمن باللّه ورسله وكتبه ولا يتسع المجال في هذه العجالة لإيراد الآيات والأحاديث النبوية التي تأمر المسلمين أمرا جازما بالإحسان والتسامح مع غير المسلمين . هذا المؤتمر جاء في وقته عساه أن يذكرنا بجوانب العطاء الحضاري ويعلمنا أن الحضارة حب وتسامح واحترام وتبادل منافع في كل مجالات الحياة وليست صراعا وقهرا . أعتذر عن الإطالة وأقدم نبذة عن أهم الموضوعات التي تناولتها في بحثي وهي كالآتي : أولا : أعطيت فكرة عن الدور الذي قام به « بنو أمية » في التاريخ العالمي ، وكيف كونوا دولتهم ووطدوا أركانها وطوروا أجهزتها السياسية والإدارية وأشاعوا جوّا من التسامح مع أبناء البلاد التي فتحوها ، وأشركوهم في إدارة بلادهم ، مما جعل الكثيرين منهم يعتنقون الإسلام عن طواعية واختيار ، وكان الحديث عن دور « بني أمية » في التاريخ ضروريّا - من وجهة نظري - لمعرفة الشجرة التي انبثق منها الفرع الذي أقام الدولة الأموية الأندلسية ، وهو « عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان » ، الذي قام بمغامرة شبه أسطورية - غير مسبوقة في التاريخ - وتخطى الأهوال والصعاب وحط على أرض الأندلس ليقيم دولة عظيمة استمرت ما يقرب من ثلاثة قرون ( 138 - 422 ه / 756 - 1031 م ) . ولقد كانت تلك القرون باعتراف معظم الباحثين من أعظم عصور التاريخ الأندلسي . ثانيا : نوهت عن دور الأمويين في المحافظة على التراث الحضاري الإنساني الذي وجدوه في البلاد التي فتحوها ، فكما هو معروف فتح الأمويون مناطق شاسعة من العالم القديم في آسيا وإفريقيا وأوروبا ، وامتدت دولتهم من حدود الصين شرقا إلى الأندلس - شبه جزيرة أيبريا - غربا ، ومن آسيا الوسطى شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا . وهذه المناطق كانت تحتوي على التراث الحضاري للأمم القديمة ، مثل الصينيين والهنود والفرس وأهل العراق وأهل الشام ومصر ، فضلا عن التراث العظيم للحضارتين الإغريقية والرومانية ، فلقد حافظ الأمويون على هذا التراث الإنساني العظيم محافظة المحب العارف بقيمته ، واستمرت مراكز العلم والفكر تؤدي دورها