عبد الشافى محمد عبد اللطيف
297
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين « 1 » * مقدمة : ما أحوج عالمنا المعاصر ، الذي يموج بالفتن والاضطرابات والحروب الإقليمية ، والذي تنتشر المجاعات والأوبئة في كثير من أجزائه ، خاصة فيما يسمى بالعالم الثالث ، بل وبعض ما كان يسمى بالعالم الثاني ، ما أحوج هذا العالم إلى أن تسوده روح الأخوة الإنسانية والتسامح ، ونبذ التعصب ، وإلى أن تشيع فيه روح الإيثار بدل الأثرة والأنانية ، وأن يحل مشكلاته بالحوار والتفاهم ، بدل الحروب المدمرة ، التي تستنزف موارده ، خاصة في الدول الفقيرة ، وأن تخصص نفقات تلك الحروب لإطعام الجائعين ، الذين يقتلهم الجوع ، وعلاج المرضى الذين تفتك بهم الأوبئة والأمراض ، وكل أولئك وهؤلاء يعدون بمئات الملايين من البشر . وليس هناك ما يمكن أن يسهم إسهاما إيجابيّا في تحقيق تلك الغايات الإنسانية النبيلة سوى مبادئ الأديان السماوية السمحة ، التي تحض على الأخوة الإنسانية ، وتقوية الروابط بين الإنسان وأخيه الإنسان ، من حيث هو إنسان ، بصرف النظر عن دينه ولغته وجنسه . فلا شك أن بين الأديان السماوية - اليهودية والمسيحية والإسلام - قدرا مشتركا من الأصول المتفق عليها فيما يتعلق بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان ، أقصد أصول الأديان ونصوصها المقدسة ، لا التفسيرات التي تجنح إلى التعصب والتمييز العنصري والديني وبث الفرقة بين أبناء آدم . وليس أنجع في تحقيق كل ذلك من الندوات واللقاآت التي تجمع بين أبناء تلك الديانات ، وإجراء حوار أخوي إنساني متسامح ، وبعث الصفحات المشرقة في تاريخ علاقاتهم ، لتنمية روح التسامح والأخوة الإنسانية ، والتغاضي عما حدث في الماضي البعيد من حروب وصراعات ، والتخلص من نزعة الثأر والانتقام ، فالتسامح هو أعظم ما أهدته الأديان السماوية للبشرية .
--> ( 1 ) ألقي هذا البحث في الندوة العلمية التي عقدت في رحاب جامعة فلورنسا بإيطاليا ، بالاشتراك مع جامعة الأزهر في شهر المحرم ( 1418 ه / مايو 1997 م ) تحت عنوان « الإسلام وأوروبا ثلاثة عشر قرنا من التاريخ المشترك » .