عبد الشافى محمد عبد اللطيف

287

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

النهر ، وبدلا من إرسال الجيوش والجنود إلى البلاد المفتوحة أخذ يرسل الدعاة ينشرون الإسلام ويعلمون الناس أصوله وقواعده وأرسل إلى الملوك والأمراء رسائل يدعوهم فيها إلى الإسلام وقد استجاب كثيرون منهم « 1 » . والحق أن عهد عمر بن عبد العزيز القصير ( 99 - 101 ه ) قد شهد - لعدله وسمعته الطيبة - إقبالا على الإسلام في كل البلاد المفتوحة ، ومنها بلاد ما وراء النهر ولقد سبق أن ذكرنا موقفه من أهل سمرقند الذين شكوا إليه غدر قتيبة وكيف أنصفهم ؛ مما كان له أكبر الأثر عليهم وزاد من إقبالهم على الإسلام . ولقد استمرت السياسة الأموية بعد عمر بن عبد العزيز ، في الدعوة إلى الإسلام في بلاد ما وراء النهر ، فقد عهد الخليفة هشام بن عبد الملك ( 105 - 125 ه ) بولاية خراسان إلى أشرس بن عبد اللّه السلمي ، الذي سماه الناس : الكامل ؛ لفضله وصلاحه « 2 » . ويقول عنه الطبري : فلما استقر في خراسان عزم على توجيه الدعاة إلى ما وراء النهر يدعون الناس إلى الإسلام ، فقال لخاصته : أبغوني رجلا له ورع وفضل أوجهه إلى من وراء النهر فيدعوهم إلى الإسلام ، فأشاروا عليه بأبي الصيداء ، صالح بن طريف « 3 » . فاستدعاه وعرض عليه القيام بتلك المهمة ، ولكن أبا الصيداء اشترط على الوالي ألا تؤخذ الجزية ممن يسلم فقبل الوالي هذا الشرط ، فقال أبو الصيداء لأصحابه : « فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم ، قالوا : نعم » « 4 » . يفهم من كلام الرجل الصالح أبي الصيداء ، وتشدده ، واشتراطه على الوالي بصراحة رفع الجزية عمن يسلمون ، يفهم من هذا أن الولاة الأمويين بعد عمر بن عبد العزيز قد عادوا إلى سياستهم الخاطئة والضارة معا ، وهي أخذ الجزية ممن كانوا يسلمون . على كل حال ذهب أبو الصيداء إلى بلاد ما وراء النهر ، وأخذ يدعو أهل سمرقند وما حولها إلى الإسلام - وكان شرطه الذي اشترطه على الوالي ، وهو رفع الجزية عمن يسلمون قد ذاع أمره - فسارع الناس إلى الإسلام « 5 » ، وأثمرات دعوته لدرجة اصطدامها مرة أخرى بمشكلة الجزية ، فقد هال العمال كثرة إقبال الناس على

--> ( 1 ) انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير ( 5 / 54 ) . ( 2 ) انظر زين الأخبار ، لأبي سعيد الكرديزي - مصدر سابق ( 1 / 185 ) . ( 3 ) الطبري ( 7 / 52 ) . ( 4 ) المصدر السابق ( 7 / 54 ) . ( 5 ) الطبري ( 7 / 55 ) .