عبد الشافى محمد عبد اللطيف
283
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
قاوموهم بعنف - فبعد إلقاء السلاح ، كان التسامح هو طابع السلوك الإسلامي العام مع المغلوبين ، ونتحدى أن يكون التاريخ البشري قد سجل في صفحاته حالة واحدة تفوق فيها غير المسلمين من الغالبين على المسلمين ، وكانوا أكثر تسامحا منهم ، بل حتى ساووهم في التسامح والإنسانية مع المغلوبين الذين أصبحوا تحت السيادة الإسلامية ، ووفاء المسلمين بالمعاهدات - نصّا وروحا - أصبح من الحقائق التاريخية التي لا يجادل فيه باحث منصف لدرجة أنه لما خالف أحد القادة الفاتحين هذه القاعدة وشذ عليها ، سجل التاريخ الإسلامي تلك الحالة الوحيدة ، وأزال خليفة المسلمين تلك المخالفة ؛ والحالة هي حالة قتيبة بن مسلم ، عندما دخل سمرقند على شروط معينة ، ولكنه لما دخلها لم يف بالشروط ، فلما جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز ( 99 - 101 ه ) رفع إليه أهل سمرقند شكواهم ، وقالوا : إن قتيبة دخل مدينتهم على وعد بالخروج منها ، ولكنه لم يف بوعده ، أي : غدر بهم ، فكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على بلاد ما وراء النهر أن ينصب لهم قاضيا ينظر في شكواهم ، فإن قضى بإخراج المسلمين من المدينة أخرجوا منها ، فأقام لهم الوالي القاضي حاضر بن جميع ، الذي نظر في القضية ، ورأى أن الحق مع أهل سمرقند - المغلوبين - فحكم بإخراج المسلمين من المدينة على أن ينابذوهم على سواء ، ولكن أهل سمرقند - وقد أذهلهم هذا السلوك الإسلامي الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري - كرهوا الحرب وأقروا المسلمين على الإقامة في مدينتهم « 1 » . هذا هو الإسلام ، وذلك هو سلوك المسلمين وهذا المثل الوحيد - الذي خالف فيه قتيبة ما اتفق عليه مع أهل سمرقند - وسط كل تلك الحروب المتواصلة والأحداث المتلاحقة ، وكثرة الانتقاض ونكث العهود من أهل تلك البلاد ، يدل على أن المبدأ الأصيل هو التزام المسلمين بالوفاء بالعهود ، وأن السلطة الإسلامية العليا - الخلافة - كانت ساهرة على حفظ وصيانة المعاهدات ، وتصحيح أي خطأ قد يحدث من أي عامل في أي مكان . فعلى سبيل المثال عندما أخطأ بعض العمال - لما تزايد إقبال الناس على اعتناق الإسلام ، وأدى ذلك إلى تناقص الجزية - وظلوا يأخذون الجزية من المسلمين الجدد ، مؤثرين الجباية على الهداية ، مخالفين بذلك قواعد الإسلام ، وعندئذ لم يحتمل ضمير
--> ( 1 ) انظر تفاصيل القصة في فتوح البلدان للبلاذري ( ص 519 ) .