عبد الشافى محمد عبد اللطيف
263
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
5 - مملكة خوارزم ، وقصبتها مدينة الجرحانية « 1 » . هذه هي أقاليم ما وراء النهر التي فتحها المسلمون في عهد الخليفة الأموي الوليد ابن عبد الملك بن مروان ( 86 - 96 ه ) بقيادة البطل الفاتح قتيبة بن مسلم الباهلي إضافة إلى عدة أقاليم شرقي نهر سيحون ، وهي فرعانة والشاش وأشروسنة ، ولقد مضى قتيبة في فتوحاته حتى وصل إلى منطقة كاشغر ملامسا الصين فكيف كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية لهذه البلاد عندما فتحها المسلمون ؟ تفيد الدراسات الحديثة لهذه المنطقة ومن أهمها كتاب « تاريخ بخارى » للباحث المجري أرمينيوس فامبري ، وكتاب « تاريخ الترك في آسيا الوسطى » لبارتولد - الذي سبقت الإشارة إليه - وكذلك كتاب الدكتور حسن أحمد محمود « الإسلام في آسيا الوسطى » ، تفيد هذه الدراسات أن تلك البلاد لم تكن مستقرة سياسيّا وكانت المنازعات بينها تكاد تكون مستمرة وقد شكل هذا الوضع خطرا على الوجود الإسلامي في خراسان ، وينبغي ألا ننسى أن سكان بلاد ما وراء النهر كانوا قد عبروا نهر جيحون لمقاتلة المسلمين مع يزدجرد الثالث كسرى فارس ، قبل مقتله سنة ( 31 ه ) في خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه « 2 » . وهذا يعني أن لهم ماضيا عدائيّا تجاه الإسلام والمسلمين الذين قرروا وضع حد لهذه الفوضى الضاربة في هذه البلاد ، وضمها للدولة الإسلامية قبل أن يستفحل خطرها ، خاصة وأن هذه الممالك التركية كانت المنازعات بينها مستمرة وعلاقاتها مضطربة ، ويكفي أن نشير هنا إلى تلخيص الأستاذ جب في كتابه « غزوات العرب في آسيا الوسطى » للوضع السياسي في هذه المنطقة ، حيث يقول : كانت الولايات في هذه المنطقة تعترف بالخان سيدا لها ، وتدفع له الجزية ، وكانت إمارة صغديان مقسمة إلى ولايات صغيرة مستقلة تقوم بينها معاهدات مرنة ، وكان أقوى ما يصل بينها من رباط إنما هو تجارة الحرير مع الصين ، وأهم مراكزها سمرقند ، وبيكند وكش ، وكانت سمرقند أوفرها حظّا من النجاح في عالم التجارة ، ومنها كانت ترسل البعوث التجارية إلى بلاد الصين ، أما المشتغلون بالزراعة فكانوا كلهم من الجنس الآري ، وقد ارتبطت الولايات فيما بينهما - عدا ذلك - برباط ثان ؛ وهو سيادة أسرة معينة فيها على جميع الأسر الآخرى ، ولكنه لم يكن رباطا وثيقا وكل
--> ( 1 ) ياقوت ( 2 / 395 ) . ( 2 ) انظر ابن الأثير الكامل في التاريخ ( 3 / 119 ) وما بعدها .