عبد الشافى محمد عبد اللطيف

250

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط ، حمته من هجمات الأساطيل البيزنطية وليس هذا فحسب ، بل أصبحت قاعدة انطلقت منها الغزوات البحرية الإسلامية ، التي غزت معظم جزر البحر الأبيض المتوسط الغربي . وكانت قمة الانتصارات فتح جزيرة صقلية بدا من سنة ( 212 ه / 827 م ) ، حيث انطلقت الأساطيل من تونس بقيادة الفقيه المشهور أسد بن الفرات . كل هذا لم يكن ممكنا بدون أبناء مصر من المهندسين والعمال المهرة ، الذين بذلوا علمهم وخبرتهم بكل إخلاص في بناء الأساطيل الإسلامية في المشرق والمغرب . والخلاصة : إن العرب بعد أن أتموا فتح الشام تقدموا لفتح مصر ؛ وكان ذلك ضرورة لتأمين فتوحاتهم ووجودهم في الشام ، وأنهم عندما فتحوها لم ينتزعوها من أهلها ، بل الحقيقة أنهم أعادوها إلى أهلها من قبضة الروم ، وحرروهم من الظلم والاستعباد ، وكان المصريون الذين عاصروا الفتح يعلمون ذلك حق العلم ، ولذلك كان تعاونهم مع الفاتحين وتقديم المساعدات لهم من أهم أسباب سرعة الفتح وسهولته ، وأن تعاون المصريين مع العرب الفاتحين ضد الروم من الأمور التي أخبر بها النبي صلّى اللّه عليه وسلم عندما كان أمر فتح مصر في علم الغيب ؛ فقد أخرج الطبراني في الكبير ، وأبو نعيم في دلائل النبوة ، بسند صحيح ، عن أم سلمة ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أوصى عند وفاته ، فقال : « اللّه اللّه في قبط مصر ، فإنكم ستظهرون عليهم ، ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل اللّه » « 1 » وفي رواية أخرى : « استوصوا بالقبط خيرا ، فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال عدوكم » « 2 » . ولقد كان المسلمون عند حسن ظن المصريين بهم ، فقد عاملوهم أكرم وأحسن معاملة ، ومنحوهم حرية لم ينعموا بها من قبل ، وبصفة خاصة حرية العقيدة ، فلم يجبروهم على اعتناق الإسلام ، ولو كان الإجبار على اعتناق الإسلام واردا لما بقي مسيحي واحد على أرض مصر ؛ ويجب أن يعرف الناس أن الفتح الإسلامي شرف لكل أبناء مصر ؛ لأن من أسلم منهم أسلم بحريته ، ومن بقي مسيحيّا بقي معززا مكرما ، مصونة كل حقوقه . ولم يتدخل المسلمون في شؤون عقيدتهم قط ، وقد أشرنا من قبل إلى عودة

--> ( 1 ) السيوطي - حسن المحاضرة ( 1 / 12 ) ، وابن عبد الحكم - فتوح مصر ( ص 14 ) . ( 2 ) المصدران السابقان على نفس الترتيب ( 1 / 13 ) ، و ( ص 4 ) .