عبد الشافى محمد عبد اللطيف
247
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الأهلية ، أثناء الفتنة الأولى التي اندلعت بين المسلمين منذ منتصف خلافة عثمان بن عفان نحو سنة ( 30 ه ) . والتي تفاقمت وراح ضحيتها الخليفة نفسه ، ثم استمرت لتستغرق كل عهد علي بن أبي طالب ( 36 - 40 ه ) ، والذي خاض مع خصومه معركتين مشؤومتين : في الجمل سنة ( 36 ه ) ، وصفين سنة ( 37 ه ) ، راح ضحيتهما عشرات الألوف من المسلمين ، وفي النهاية فقد الخليفة عليّ نفسه حياته على يد أحد متطرفي الخوارج - عبد الرحمن بن ملجم - ولما اجتمع شمل الأمة على خليفة واحد ؛ هو معاوية بن أبي سفيان سنة ( 41 ه ) ، السنة التي سماها المؤرخون : عام الجماعة . وبعد أن تمكن معاوية من الأمر بدأ يستأنف الفتوحات في شمال إفريقيا خاصة ، للقضاء على الوجود البيزنطي فيه قضاء تاما ، وقد حقق بعض النجاح في ذلك ، خصوصا عندما عهد بقيادة الفتوحات في هذه الجبهة لقائد من كبار القادة الفاتحين ؛ عقبة بن نافع ، الذي أسس مدينة القيروان ( 50 - 55 ه ) لتكون قاعدة ثابتة للمجاهدين ينطلقون منها ثم يعودون إليها ، لأنه رأي أن خطوط إمداداتهم من مصر كانت طويلة . وتوالى على المنطقة عدد من القادة العظام بعد عقبة ؛ مثل أبي المهاجر دينار ( 55 - 62 ه ) ، ثم عقبة ثانية ( 62 - 63 ه ) ، ثم زهير بن قيس البلوي ( 63 - 69 ه ) وفي هذه الأثناء داهمت المسلمين الفتنة الثانية التي اندلعت بعد موت الخليفة يزيد بن معاوية سنة ( 64 ه ) والتي استمرت نحو عشر سنين ، ولم تنته إلا بقضاء عبد الملك ابن مروان على أكبر وأخطر خصومه السياسيين ، عبد اللّه بن الزبير سنة ( 73 ه ) . وأعاد عبد الملك الوحدة إلى الدولة الإسلامية ، وسمى المؤرخون هذا العام بعام الجماعة الثاني . عندئذ بدأ عبد الملك في إعادة الحياة إلى حركة الفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا ، وعهد بالأمر إلى قائد عظيم ، من سلالة الغساسنة وهو حسان بن النعمان « 1 » ،
--> لدى العرب ، وعندما طرق العرب بلادهم فاتحين لم يفهموا في البداية ماذا يريد منهم هؤلاء العرب ؟ وظنوهم مستعمرين جددا يريدون الاستيلاء على بلادهم ، فقاوموهم بضراوة شديدة ، والمتاعب التي صادفها العرب في فتح شمال أفريقيا لم يصادفوا مثلها في أي مكان آخر . غير أن هؤلاء الأمازيغ عندما بدؤوا يفهمون الإسلام وأهدافه ، وما يحمله لهم من خير وعدل وتسامح ومساواة سارعوا لا إلى الإيمان به فحسب ، بل إلى الجهاد في سبيله . فمن المعروف أن الجيوش التي فتحت الأندلس كانت الغالبية العظمى منها من هؤلاء الأمازيغ ، سكان الشمال الإفريقي . ( 1 ) ابن الأثير - الكامل في التاريخ ( 4 / 369 ) .