عبد الشافى محمد عبد اللطيف

245

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

ذلك فإن معاوية لم ييأس ، بل انتظر إلى أن لقي عمر بن الخطاب ربه ، ففاتح الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، الذي عارض هو بدوره متأثرا بمعارضة عمر بن الخطاب ، إلا أن معاوية نجح في النهاية بإقناعه وظفر بموافقته وبدأ على الفور في إنشاء قوة بحرية هائلة ظهر أثرها واضحا بعد سنوات قلائل من البداية ، في غزوة جزيرة قبرص والاستيلاء عليها وفي الانتصار على أساطيل الروم ، في أول وأكبر معركة بحرية دارت بينهم وبين المسلمين على شواطئ مصر الغربية ، وهي معركة ذات الصواري ، التي غيرت تاريخ البحر المتوسط ، وجعلته بحر المسلمين ، وكان قائد المعركة هو أمير مصر عبد اللّه بن سعد بن أبي السرح - كما مر ذكره . ومعاوية عندما نهض بهذا المشروع العظيم ، الذي يرجع الفضل إليه وحده في قيامه كان يعوّل في المقام الأول على أهل مصر ، وعلى دور صناعة السفن في مصر ، ولم يجد أية صعوبة في تعاون المصريين معه ؛ لأن الشام ومصر كانتا ولايتين من ولايات الدولة الإسلامية الواحدة من ناحية ، ومن ناحية ثانية فقد كان التفاهم قائما على أفضل ما يكون بينه وبين والي مصر ، عبد اللّه بن سعد بن أبي السرح ، وكان كلا الرجلين يدرك تمام الإدراك أهمية الارتباط الأمني الوثيق بين الشام ومصر . ولم يقتصر دور المصريين على إمداد الأسطول الشامي بالسفن التي يحتاجها ، والتي يتم تصنيعها على أرض مصر ، وفي دور صناعتها ، بل إن العمال المهرة المصريين ذهبوا إلى هناك إلى الموانئ الشامية التي أنشأها معاوية الذي أصبح أمير المؤمنين ، والقرار بيده وحده ، فقد أمر بإنشاء دار صناعة في عكا على أثر غارة بيزنطية ضخمة على شواطئ الشام سنة ( 49 ه / 669 م ) . وتدل أوراق البردي المصرية ، على أن العمال المصريين قد أسهموا إسهاما كبيرا في بناء السفن في ميناء عكا ، وكانوا أيضا من إقليم كوم شقاو « 1 » الذي مر ذكره كثيرا ، ولقد توسع معاوية في صناعة السفن في الموانئ السورية ، مثل صور وصيدا واللاذقية وطرطوس ، اعتمادا على الأيدي المصرية العاملة في هذا الميدان ؛ لأنه كان يفكر في مشروع كبير يحتاج إلى أعداد هائلة من السفن الحربية ذات الأحجام المختلفة ، ذلك المشروع الذي كان معاوية يفكر فيه هو غزوة مدينة القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ، العدو الأول والأكبر والأخطر للمسلمين في ذلك الوقت ، فقد كان معاوية

--> ( 1 ) تاريخ البحرية المصرية - مرجع سابق ( ص 357 ) .