عبد الشافى محمد عبد اللطيف
231
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
من هجمات الأساطيل البيزنطية التي كانت تسيطر سيطرة كاملة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط ، الذي كان يدعى بحر الروم ، بدون امتلاك المسلمين قوة بحرية فإن كل الجهود التي بذلوها في فتح الشام وشواطئه قد تذهب أدراج الرياح . * معارضة عمر بن الخطاب لمشروع معاوية : اقتنع معاوية - ومعه كل الحق - بفكرته ، وعرضها على الخليفة عمر بن الخطاب وشرح له أهميتها ، وجسّم له الخطر البيزنطي تجسيما مخيفا ، وقال له عن جزيرة قبرص بالذات - والتي كانت قاعدة بحرية بيزنطية متقدمة في مواجهة شواطئ الشام - : « يا أمير المؤمنين إن أهل حمص يسمعون نباح كلابها وصياح دجاجها » « 1 » . معنى هذا أنها قريبة جدّا من شواطئنا وتستطيع الأساطيل البيزنطية أن تهاجمنا في أي وقت ، وفي أسرع وقت ، وتفعل بنا ما تشاء . ولكن على الرغم من كل هذا فقد رفض عمر الفكرة رفضا قاطعا ، ولم يتزحزح عن موقفه قط ، وربما مما زاده إصرارا على الرفض ما جاء من عمرو بن العاص في وصف البحر ، عندما استطلع رأيه في الأمر ، كما تروي مصادر التاريخ « 2 » فقد جاء وصف عمرو بن العاص للبحر مخيفا ومفزعا فزاد من مخاوف عمر بن الخطاب على المسلمين من أهوال البحر وأخطاره ، لذلك رد على معاوية بقوله : « والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا ، وتاللّه لمسلم واحد أحب إليّ مما حوته الروم ، فإياك أن تعرض لي وقد تقدمت إليك » « 3 » . استقر رأي عمر بن الخطاب على رفض مشروع معاوية رفضا قاطعا ؛ ولا يظنّن أحد أنه لم يكن مدركا للخطر الذي كان يدركه معاوية ، بل كان يحكمه حرصه الشديد على أرواح المسلمين وسلامتهم ، ومسؤوليته عنهم التي تحتم عليه أن يجنبهم أهوال البحر وأخطاره ، لذلك كان قوله لمعاوية : « لمسلم واحد أحب إليّ مما حوته الروم » ثم أمر آخر كان عمر مقتنعا به في قرارة نفسه ؛ وهو أن العرب كانوا يومئذ يفتقرون إلى الخبرة البحرية الكافية التي تمكنهم من بناء أساطيل بحرية يستطيعون بها منازلة الأساطيل البيزنطية العتيدة ذات الخبرة البحرية الطويلة ، فالوقت من وجهة نظر عمر لم يحن بعد لنزول المسلمين إلى البحر محاربين ، وسيأتي - في المستقبل لا
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 4 / 258 ) . ( 2 ) تاريخ الطبري ( 4 / 258 ) . ( 3 ) المصدر السابق ( 4 / 259 ) .