عبد الشافى محمد عبد اللطيف
22
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الحسن بن علي رضي اللّه عنهما ، عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنهما إيثارا لمصلحة الأمة ، وحقنا لدماء المسلمين ، مصدقا بذلك نبوءة جده - عليه الصلاة والسلام - حيث قال عنه : « ابني هذا سيّد - يقصد الحسن - ولعل اللّه يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » « 1 » . ولقد استفتح معاوية رضي اللّه عنه عهده بالإحسان إلى أهل المدينة بصفة عامة ، وإلى الصحابة وأبنائهم بصفة خاصة ، وأغدق عليهم من الأموال ما أتاح لهم التفرغ للعلم والتعليم ، فزخر مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بأعداد هائلة من الفقهاء والمحدّثين والمفسرين وأصحاب السير والمغازي ، وكان عروة بن الزبير فارسا من فرسان هذه الحلقات وأبرز رجالها . فتروي المصادر وكتب الطبقات أنه كان يجتمع كل ليلة ، بطريقة تكاد تكون منتظمة في المسجد النبوي ، بمجموعة من كبار التابعين ومن رجال الطبقة الأولى منهم ، كانت تضم أخاه مصعب بن الزبير ، وأبا بكر بن عبد الرحمن ، وعبد الملك ابن مروان ، وعبد الرحمن بن مسور ، وإبراهيم بن عبد الرحمن ، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي ، ولم تكن هذه الاجتماعات سوى حلقات علمية ، يدور الحديث فيها عن العلوم الإسلامية من فقه وتفسير وحديث وسير ومغاز ، وكما اشتهر عروة بن الزبير بأنه أحد فقهاء المدينة السبعة الكبار - كما هو الحال بالنسبة لأبان بن عثمان - فقد اشتهر بأنه من أكابر علماء السيرة والمغازي ، وكان الناس - حتى زملاؤه في الدراسة - يتجهون إليه ، ليسألوه ويتعلموا منه السيرة النبوية بصفة خاصة ، لقربه من بيت النبي ، ولمعرفته أكثر من غيره بما كان يدور في ذلك البيت الكريم عن طريق خالته السيدة عائشة رضي اللّه عنها فعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي المشهور ( 65 - 86 ه ) مع أنه كان أحد تلاميذ مدرسة المدينة المشهورين ومن فقهائها ، وقد لقب بحمامة المسجد ؛ لشدة ملازمته مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وانكبابه على حلقات العلم ، وهو من زملاء عروة وأصدقائه ، إلا أنه كان كثير الرجوع إليه في كل ما يتعلق بأحداث السيرة النبوية ، وذلك عندما شغلته السياسة عن طلب العلم بعد أن أصبح خليفة ويبدو أن عروة قد ألف كتبا كثيرة في
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( 4 / 216 ) .