عبد الشافى محمد عبد اللطيف

214

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

استدرجوا خالد بن سعيد بن العاص الذي كان قد أمّره أبو بكر على أحد الجيوش أثناء حروب الردة ، وأمره أن يعسكر في منطقة تيماء ، شمال الحجاز ، على طريق الشام ، وقال له : لا تقاتل إلا إذا قوتلت ، ولكن الروم استدرجوه ، وغرروا به واشتبكوا معه ، وتظاهروا بالتقهقر أمامه داخل الشام ، ثم انقضوا عليه وأوقعوا بجيشه هزيمة منكرة . مما أغضب الخليفة عليه أشد الغضب ولم تكن هذه أول مرة يعتدي فيها الروم على المسلمين ، فقد سبق أن اعتدوا على المسلمين في غزوة مؤتة وكادوا يهزمونهم لولا مهارة خالد بن الوليد الذي استطاع أن ينسحب انسحابا مشرفا بقواته ، وهذه الاشتباكات الأولى مع الفرس والروم وإن خاضها المسلمون مضطرين وبدون تخطيط مسبق ، إلا أنها كانت ذات فائدة كبيرة ؛ فقد أظهرت النوايا العدوانية لكل من الفرس والروم ضد المسلمين وجعلت الخليفة يعد ويستعد في الوقت المناسب ، لذلك يقول الطبري : إنه رغم غضب أبي بكر من خالد بن سعيد ، إلا أنه اهتاج للشام وعناه أمره « 1 » . وجهز للشام أربعة جيوش في وقت واحد ، جيش تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح ، ووجهته حمص في شمال الشام ، والثاني تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان ووجهته دمشق ، في وسط الشام ، والثالث تحت قيادة شرحبيل بن حسنة ووجهته الأردن ، والرابع تحت قيادة عمرو بن العاص ووجهته فلسطين ، وهكذا بدأت الحروب تدور مع الفرس والروم في وقت واحد وكانوا هم البادئين بالعدوان . رابعا : إن حركة الفتوحات الإسلامية في سرعتها ونجاحها ، الباهر ونتائجها العظيمة قد حيرت المؤرخين ، خاصة المستشرقين فذهبوا في تفسيرها وتحليل دوافعها مذاهب شتى ، وأرجعوا مجمل أسبابها إلى الجوع والقحط الذي دفع العرب إلى الخروج من شبه الجزيرة العربية وغزو البلاد التي غزوها ، أي : إن السبب الرئيسي لتلك الفتوحات كان اقتصاديّا من وجهة نظرهم . وليس هناك قول أبعد عن الحقيقة من هذا القول ، لا لأننا نستبعد تماما العامل الاقتصادي ؛ ولكن لأن الحقيقة أن هذا العامل كان عاملا ثانويّا ، ومعظم الجنود والقادة الذين صنعوا تلك الأمجاد ، لم يكونوا يفكرون في بطونهم ، كما يدعي بعض المستشرقين ، ومن لف لفهم من كتاب العرب ، وإنما كانوا يدافعون عن عقيدتهم وعن حرية نشرها ، أي : إنهم كانوا يقاتلون لتكون كلمة اللّه هي العليا ،

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 3 / 389 ) .