عبد الشافى محمد عبد اللطيف
209
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وقد شملت تلك التأثيرات الأحوال الدينية والسياسية واللغوية والفكرية والثقافية والاجتماعية ، وهي لا تزال مستمرة وفي زيادة مطردة . ومن هذه الناحية - ناحية التأثيرات العميقة والمستمرة في العالم - فإن الفتوحات الإسلامية إذا قورنت بحركات فتوحات عسكرية سابقة عليها ، كفتوحات الإسكندر الأكبر المقدوني ، التي سبقتها بنحو ألف سنة ، أو جاءت بعدها ، كغزوات المغول التي تلتها بستة قرون تقريبا ، فإن هذه المقارنة تظهر عظمة الفتوحات الإسلامية . أما فتوحات الإسكندر وإمبراطوريته التي شادها في الشرق ، فلم يكد يختفي من الحياة حتى تمزقت أوصال تلك الإمبراطورية وأخذت تضمحل شيئا فشيئا إلى أن أصبحت ذكرى من ذكريات التاريخ . وأما غزوات المغول ؛ فإنها في حد ذاتها تقدم أكبر وأقوى البراهين على عظمة الفتوحات الإسلامية وخلودها ؛ لأن هذه الغزوة المغولية البربرية التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا من قبل في وحشيتها وهمجيتها ، والتي دمرت معظم العالم الإسلامي في الشرق بما كان له من حضارة زاهرة ، ولم يوقف زحفها المدمر ، ويحمي بقية العالم منها سوى الوقفة الباسلة والشجاعة التي وقفها الجيش المصري بقيادة السلطان قطز وقائده الظاهر بيبرس ، حين ألحقوا بالمغول أول هزيمة ساحقة تحل بهم منذ ظهورهم في مطلع القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي ، وكانت تلك الملحمة الإسلامية الرائعة في عين جالوت في شهر رمضان المبارك ( عام 658 ه - 1260 م ) هذه الغزوة المغولية البربرية كان يمكن أن ينساها التاريخ ، أو يذكرها ككابوس عابر فظيع ألم بالإنسانية في مسيرتها الطويلة ، ومضى إلى سبيله ، كان يمكن أن يحدث ذلك لولا أن اللّه سبحانه وتعالى قد أدرك برحمته الواسعة هذه الجموع الهمجية وهداها ، فأسلم أغلب المغول ، وطواهم الإسلام تحت جناحه ، وأظلهم بحضارته ، وحولهم من قوة غاشمة مدمرة إلى قوة خيرة ، ومن أعداء مهاجمين إلى أتباع مدافعين ومشاركين في صنع الحضارة الإسلامية وشادوا حضارة ارتبطت باسمهم في الهند وإيران وأفغانستان . وهذه الظاهرة المغولية عكست نظرية ابن خالدون ، أو هي ربما الاستثناء الوحيد من تلك النظرية التي ذهب إليها ؛ وهي أن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب ، فالغالب - وهم المغول - هو الذي قلد المغلوب - وهو هنا المسلمين - بل لم يقلده فقط ؛ إنما اعتنق دينه وخضع لسيادته ، واستظل بحضارته وأسهم في إثرائها وهذه هي