عبد الشافى محمد عبد اللطيف
207
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
قراءة تاريخية جديدة لموقف عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من الفتوحات الإسلامية في شهر نوفمبر ( 1993 م ) عقد اتحاد المؤرخين العرب ندوة في مقره بمدينة نصر عن الحضارة الإسلامية وعالم البحار ، وفي أثناء إلقاء البحوث والمناقشات تطرق الحديث إلى إنشاء الأسطول الحربي الإسلامي ، ومعارضة عمر بن الخطاب في البداية بشدة لهذا الموضوع ، عندما عرض عليه والي الشام - معاوية بن أبي سفيان - الأمر طالبا الإذن منه في إنشاء قوة بحرية إسلامية تدافع عن سواحل المسلمين في الشام ومصر ضد هجمات الأسطول البيزنطي ، خاصة من قاعدته القريبة من شواطئ الشام في جزيرة قبرص التي قال عنها معاوية : إن الناس في حمص يسمعون نباح كلابها وصياح دجاجها « 1 » . وجاء رفض الخليفة عمر بدافع حرصه على سلامة المسلمين وعدم الزج بهم في ميدان خطر كهذا قبل أن يستعدوا له تمام الاستعداد ؛ إذ كانت له تجربتان سابقتان في التعامل مع البحر ، كلاهما لم تنجح وسنعود إلى الحديث عنهما قريبا . ولكن الذي نريد أن نوضحه هنا - والذي كان دافعنا إلى كتابة هذا البحث - أن أحد أساتذة التاريخ علق على موقف عمر من إنشاء أسطول إسلامي ورفضه الحاسم ، قائلا : إن عمر بن الخطاب كان يجهل أمر البحر ولا يعرف شيئا عنه ؛ لأنه رجل نشأ في الصحراء وكان يخاف من ركوب البحر ولذلك استشار عمرو بن العاص في هذه المسألة ، وطلب منه أن يصف له البحر ، فجاء وصف عمرو بن العاص للبحر مؤكدا لمخاوف عمر بن الخطاب ، فقد كتب إليه قائلا : « يا أمير المؤمنين ، إني رأيت خلقا عظيما يركبه خلق صغير ، ليس إلا السماء والماء ، وإنما هم كدود على عود ، إن مال غرق ، وإن نجا برق » « 2 » . عند ذلك صمم عمر بعد أن قرأ هذا الوصف على الرفض . فكيف يجهل عمر بن الخطاب البحر وأحواله ، وهو الذي أمر بحفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر ، لتسير فيها السفن محملة بالميرة إلى أهل الحجاز ، فقد كتب إلى عمرو بن العاص : « إن اللّه فتح على المسلمين مصر ، وهي كثيرة الخير والطعام ، وقد ألقي في روعي - لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم - أن أحفر
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 4 / 258 ) . ( 2 ) تاريخ الطبري ( 4 / 259 ) .