عبد الشافى محمد عبد اللطيف

200

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

* خاتمة البحث : الموضوع الرئيسي الذي حاولنا معالجته في هذا البحث ؛ هو العلاقات الدولية لدولة الإسلام في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقد رأينا أن تلك العلاقات كانت تقوم على أساس السلام مع الآخرين ، كما تؤيد ذلك كل الأدلة والنصوص الموثوق بها ، كما تؤيده وقائع التاريخ التي استشهدنا بها كثيرا في ثنايا البحث . وظهر لنا أن الإسلام لم يعمد إلى الحرب ليجبر الناس على اعتناقه ، ولم يبدأ أحدا بعدوان قط . وعندما أباح الإسلام الحرب ، أباحها للدفاع عن النفس ، أو عن حرية نشر العقيدة ، أو الدفاع عن المظلومين في الأرض . وحصر الإسلام الحرب في نطاق هذه الضرورات وحدها ، ونفر من التوسع فيها ؛ لأن الحرب ليست هدفا وإنما هي وسيلة لتحقيق هدف وهو إقامة السلام على الأرض ، وتحقيق المساواة الكاملة بين بني البشر ، ولتكون كلمة اللّه هي العليا ، وشريعته هي الغالبة ، وإذا سادت شريعة اللّه وحكمت تصرفات البشر ، وقبلوها راضين ، فلن يكون هناك مبرر للحرب على الإطلاق من وجهة نظر الإسلام . وبرغم وضوح الأدلة على أن السلام هو الأصل في العلاقات الدولية في الإسلام ، وأن الحرب كانت استثناء دعت إليه الضرورة . إلا أن أعداء الإسلام والحاقدين عليه من المستشرقين وغيرهم ، ما برحوا يروجون لفكرة سيطرت على عقولهم نتيجة لجهلهم لطبيعة الإسلام ، ولمعنى كلمة الجهاد في الإسلام من ناحية ولتعصبهم ضد الإسلام كدين وحضارة من ناحية ثانية . هذه الفكرة هي أن الإسلام انتشر بالسيف ، وأنه دين دموي ، وأنه يدعو أتباعه دائما إلى حمل السلاح لإجبار الناس جميعا على اعتناقه بالقوة . وهذا هو نص كلام واحد من المستشرقين الذين يذهبون إلى هذا الرأي الخبيث ؛ يقول كارل بروكلمان : « يتحتم على المسلم أن يعلن غير المسلمين بالعداوة حيث وجدهم ؛ لأن محاربة غير المسلمين واجب ديني » « 1 » . ولا ندري من أين جاء بروكلمان بهذه الحتمية ، ونصوص القرآن الكريم واضحة أمامنا في النهي عن عدم الإكراه في الدين - كما قدمنا - ولا يكون القتال واجبا دينيّا على المسلم ، إلا في حالة الدفاع عن النفس أو حرية العقيدة أو عن المظلومين في الأرض . أما من لم يبدأ المسلمين بعداء فليسوا

--> ( 1 ) كارل بروكلمان - تاريخ الشعوب الإسلامية ( ص 78 ) . وانظر كذلك - فان فلوتن - السيادة العربية في عهد بني أمية ( ص 5 ) وما بعدها .