عبد الشافى محمد عبد اللطيف
198
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
طريق المواجهة ، إلى أن وضع الخلفاء الراشدون حدّا لغطرسة أكاسرة الفرس ، وأزالوا سلطانهم من الوجود . ورفعوا راية الإسلام على كل بلاد فارس ، وخلصوا البلاد والعباد من ظلم الأكاسرة ، وجعلوا شعوب المنطقة تنعم بالحرية والعدل والمساواة في ظل الإسلام ولأول مرة في تاريخها . مرة أخرى : هل يلام المسلمون إذا حملوا السلاح للدفاع عن حرية نشر عقيدتهم وعن أنفسهم وأرضهم أمام عدوان الفرس ؟ ولم يكن المسلمون راغبين في حرب الفرس ولكنهم أجبروا على ذلك . ولقد روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قوله : « وددت لو أن بيننا وبين الفرس جبلا من نار لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم » . وبعد ؛ فإذا كان هناك من لا يزال يتشكك في أن الفرس والروم هم الذين أجبروا المسلمين على اللجوء إلى القوة لحسم الموقف ؛ فإننا نسأله هذا السؤال : لماذا لم يحارب المسلمون الحبشة كما حاربوا الروم والفرس ، مع أن إمبراطور الحبشة تلقى رسالة من النبي مماثلة للرسائل التي أرسلت إلى هرقل وكسرى . فلو كان المسلمون يهدفون إلى إدخال الناس في دينهم بالقوة ، لكان حرب الحبشة أسهل عليهم بكثير من حرب الفرس والروم ؛ لأن الحبشة لم تكن لديها قوة الفرس والروم . وعبور قوات من بلاد العرب إلى الحبشة لم يكن صعبا ، فقد سبق للأحباش أنفسهم أن عبروا البحر بقواتهم وغزو اليمن ، بل وصلت قواتهم إلى مشارف مكة نفسها في عام الفيل المشهور الذي ولد فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، كما أنّ المسلمين عبروا البحر إلى الحبشة مرتين في هجرتهم إليها قبل الهجرة إلى المدينة . نجيب نحن على السؤال المتقدم ، فنقول : إن المسلمين لم يحاربوا الحبشة ؛ لأن الحبشة لم تعلن عليهم الحرب ، ولم تعتد عليهم أو تبدأهم بعدوان . بل بالعكس كان للحبشة وملكها موقف إنساني عظيم من المسلمين عندما هاجروا إليها بناء على تعليمات النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقد مدح النبي الحبشة وسماها بلاد صدق . ومدح ملكها وقال عنه : « إنه ملك عادل لا يظلم أحد عنده » وقد كان ملك الحبشة عند حسن ظن النبي به ، فقد آوى المسلمين وأكرمهم ، وظلوا في كنفه خمسة عشر عاما . وفوق ذلك فإن النجاشي رد على رسالة النبي إليه ردّا غاية في الأدب والتواضع لدرجة أن ذهب بعض المؤرخين المسلمين إلى أنه أسلم . ولكن حتى بصرف النظر عن قصة إسلامه . فقد كان موقفه وموقف بلاده من المسلمين وديّا ، وحفظ المسلمون لهم جميلهم ، وحافظوا على علاقات حسن الجوار معهم . ويروى أن