عبد الشافى محمد عبد اللطيف
184
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
به فليس له أن ينقضه بأي حال ؛ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ [ النحل : 91 ] . وقد عظم اللّه تعالى الوفاء بالعهد ، وجعل المؤمنين به هم وحدهم أصحاب العقول ؛ أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 19 ) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ [ الرعد : 19 ، 20 ] . أما الذين ينقضون عهودهم ولا يحترمونها ، فهم - في نظر الإسلام - منبوذون من ساحة الإنسانية : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ [ الأنفال : 55 - 56 ] . وليست هناك حالة تبيح للمسلم نقض العهد من طرف واحد ، حتى ولو كان في الاستمرار في الوفاء به ضرر محقق يلحق المسلمين . وهل هناك ضرر أعظم من أن تتعرض فئة مسلمة لعدوان دولة أجنبية فتطلب من الدولة الإسلامية أن تعينها وتنصرها ، ولكن الدولة الإسلامية لا تستطيع أن تفعل ذلك ، إذا كانت قد ارتبطت مع هذه الدولة الأجنبية بعهد سابق ، فنقض العهد في هذه الحالة محظور بتاتا على المسلمين ، بنص القرآن الكريم : وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ [ الأنفال : 72 ] . وهاك مثلا عمليّا ، قد يوضح ما سبق : كان من شروط صلح الحديبية الذي تم بين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقريش أن من جاء إلى النبي من مسلمي قريش عليه أن يرده عليهم . وأثناء توقيع الصلح جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، يطلب حمايته من ظلم قريش ، ولكن أباه - الذي كان ممثل قريش في أمر الصلح - احتج على ذلك ، وقال : إن العهد تم ويجب الوفاء به ، فماذا كان موقف النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وماذا قال لأبي جندل ، وهو يصيح بأعلي صوته : يا معشر المسلمين أؤرد إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ ! قال له الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : « يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا ، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه ، وإنا لا نغدر بهم » « 1 » . يا للّه ! فهل عرف تاريخ البشرية وفاء بالعهد مثل هذا الوفاء . مسلمون مستضعفون « 2 » ، يتعرضون لظلم الأعداء
--> ( 1 ) ابن هشام - السيرة النبوية - القسم الثاني ( ص 318 ) . ( 2 ) لم يكن أبو جندل وحده ، بل كان معه فئة كبيرة من مسلمي مكة الذين اعتذر لهم النبي بمثل ما -