عبد الشافى محمد عبد اللطيف

181

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

واجتهادات ونظريات فقهاء القانون الدولي في العالم . وعلماء التشريع وفقهاء القانون في الغرب يعتقدون أن مبادئ القانون الدولي العام بهذه المثابة من الأفكار الحديثة ، التي ابتدعتها أوروبا في العصور الأخيرة . ونحن نوافق هؤلاء العلماء على اعتقادهم هذا . « ويلوح لنا أنه غير قابل للمناقشة والجدل ما دمنا نبعد بموضوعه عن محيط التاريخ الإسلامي فالنظام الدولي في الحقيقة لم يكن معروفا خارج هذا المحيط » « 1 » ؛ لأن الإسلام كان سبّاقا في وضع تشريع قانون دولي عام ، تقوم على أساسه علاقات الأمم والشعوب ، ولم يكن الإسلام معنيّا بوضع مبادئ لقانون دولي عام من الناحية النظرية فحسب ، وإنما طبق هذه المبادئ تطبيقا عمليّا ، وراعاها مراعاة كاملة في علاقاته الدولية مع الأمم الآخرى . أما القانون الدولي العام الذي يفاخر به فقهاء الغرب ، فإنه كان في معظم الأحيان حبرا على ورق ، ولم يحقق المساواة بين الشعوب في الحقوق والواجبات ؛ لأن منطلقه لم يكن أخلاقيّا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فهو تشريع وضعي ناقص لا يفي بحاجات الإنسان ، ومن ناحية ثالثة فكثيرون من واضعيه من فقهاء الغرب كانت تغلب عليهم النظرة العنصرية . « ألم يقل استيورات ميل : باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية ؟ أو لم يحدّد لوريمير على وجه الأرض مناطق ثلاثا تخضع كل منها لقانون مختلف ؟ فالعالم المتمدن يجب أن يتمتع في نظره بحقوق سياسية كاملة ، والعالم نصف المتمدن يكفي أن يتمتع بحقوق سياسية جزئية ، بينما الشعوب غير المتحضرة ليس لها إلا حقوق عرفية لا تحمل إلزاما قانونيّا ، وجاء ميثاق عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى فأقر هذا التقسيم وأكسبه سلطة القانون » « 2 » وجلس الحلفاء المنتصرون في هذه الحرب حول موائد المفاوضات في مؤتمرات الصلح ، ليقرروا مصير العالم بعد الحرب - حسب زعمهم - ولكنهم في الواقع جلسوا ليقسموا العالم فيما بينهم إلى مناطق نفوذ ، ولما كان أسلوب الاستعمار العسكري القديم لم يعد مقبولا بعد الحرب ، راح الحلفاء يبتدعون فكرة جديدة لبسط نفوذهم على الشعوب الضعيفة ؛ وهي فكرة الانتداب والحماية ، وكان هذا خداعا دوليّا ليس له نظير ، فلقد ناقض الحلفاء أنفسهم ، وضربوا بشعاراتهم التي رفعوها أثناء الحرب - عن إعطاء الشعوب

--> ( 1 ) د . دراز - دراسات إسلامية ( ص 140 ) . ( 2 ) د . دراز - المرجع السابق ( ص 141 ) .