عبد الشافى محمد عبد اللطيف
179
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
أبو ثعلبة الخشني رضي اللّه عنه قال : إن ناسا من اليهود يوم خيبر جاؤوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بعد تمام العهود . فقالوا : إن حظائر لنا وقع فيها أصحابك فأخذوا منها بقلا أو ثوما ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه فنادى في الناس : إن رسول اللّه يقول : « لا أحلّ لكم شيئا من أموال المعاهدين إلا بحق » « 1 » . ولم تقف مثالية الإسلام ورسوله عند هذا الحد في آداب الحرب ، بل وصلت إلى أن المسلمين كانوا إذا غنموا غنائم من الأعداء وكان فيها شيء له أهمية خاصة لهم ، وطلبوه ردّه المسلمون عليهم . وقد صنع ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مع يهود خيبر ، فقد كان من بين ما غنم المسلمون حين غزوا خيبر عدة صحائف من التوراة ، وقد طلب اليهود من النبي أن يسلمهم إياها ، فأمر صلّى اللّه عليه وسلم بتسليمها لهم . « ولم يصنع صنيع الرومان حين فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم ، ولا هو صنع صنيع النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوراة » « 2 » . ليس هذا فحسب ، بل إن الإسلام حرص على حماية أرواح الأسرى من الأعداء ولم يبح حتى استرقاقهم - خلافا لما يظن بعض الناس « 3 » - وإنما أباح التشريع الإسلامي للقائد المسلم أن يتصرف في أسرى الأعداء بأحد طريقين ، إما أن يمن عليهم بالحرية دون مقابل ، وإما أن يقبل منهم الفدية ممثلة في مال يدفعونه أو عمل يؤدونه للمسلمين . وذلك كما صنع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مع أسرى المشركين في بدر ، فمن كان له مال أخذ منه الفداء مالا ، ومن لم يكن له ماله كلفه بأداء عمل مثل تعليم عدد من أولاد المسلمين القراءة والكتابة . صحيح أن اللّه تعالى عاتب نبيّه على فداء أسرى بدر كما جاء في سورة الأنفال في قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [ الأنفال : 67 ] ؛ لأن الموقف كان يومئذ يقتضي قتل أسرى المشركين لكسر شوكتهم ، وإزاحتهم من أمام الدعوة الإسلامية . أما بعد أن
--> ( 1 ) المصدر السابق ( 1 / 133 ) . ( 2 ) د . هيكل - حياة محمد ( ص 350 ) . ( 3 ) لا ننكر أن المسلمين كانوا يسترقون بعض الأسرى في بعض الأحيان ، وذلك كان من قبيل معاملة الأعداء بالمثل ؛ لأنهم كانوا يسترقون أسرى المسلمين ، ولا ننكر أنهم كانوا في بعض الأحيان يقتلون بعض الأسرى ، ولكن ليس لأنهم أسرى ؛ وإنما من أجل جرائم خاصة خطيرة ارتكبوها في حق المسلمين . وذلك كأمر الرسول بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث من أسرى بدر . وتاريخهما في إيذاء الرسول والمسلمين معروف .