عبد الشافى محمد عبد اللطيف

177

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

أعدائهم ، وقد يحملهم هذا الشعور على التفكير في العدوان على هؤلاء الأعداء ، وعندئذ يطالبهم اللّه تعالى بضبط النفس وكفها عن العدوان : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [ المائدة : 2 ] . هل هناك ما هو أروع من هذا السلوك في تنفير المسلمين من الحرب ، ودعوتهم إلى كظم غيظهم وحصر الحرب في أضيق نطاق . وحتى في حالة الحرب فإن القائد المسلم مدعو من اللّه سبحانه وتعالى إلى تفاديها ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فإذا لاحت أمامه فرصة ولو ضئيلة لتحاشي الحرب ، وتحقيق السلام - ولو بشيء من التضحية - فيجب عليه ألا يدع هذه الفرصة تفلت من يده . وهذا هو موقف الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عام الحديبية - كما سنبين فيما بعد - يعتبر أوضح برهان على نظرة الإسلام إلى الحرب . فإذا أبدى العدو أيّ ميل إلى السلام ؛ فعلى القائد المسلم أن يستجيب : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأنفال : 62 ] . ومجيء هذه الآية الكريمة مباشرة بعد الآية التي تدعو المسلمين إلى الاستعداد العسكري القوي المؤثر الذي يرهب الأعداء ، وهي قوله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [ الأنفال : 60 ] ؛ يدل على أن الاستعداد العسكري لا يعني بالضرورة الحرب ، بل قد تؤتي القوة ثمرتها دون أن تستخدم ، أو قد يرهبها العدو ويلقي سلاحه ويجنح إلى السلام ، ويكفي اللّه المؤمنين شر القتال . هذا هو موقف الإسلام من الحرب ، فهي ضرورة ويجب أن تقف عند مقتضياتها المشروعة ، ويجب أن تبتعد عن أساليب التدمير ، وهذا يدعونا إلى معرفة آداب الحرب في الإسلام . * آداب الحرب في الإسلام : ما نقصده بآداب الحرب في الإسلام هو : مجموعة القواعد والمبادئ والتقاليد العسكرية التي أرساها الإسلام وطبقها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكانت نصائحه ووصاياه دائما لقواد حملاته الحربية تدور في نطاقها ، وهي تقاليد ومبادئ إنسانية في أهدافها ، الغرض منها تخفيف ويلات الحرب على المقاتلين أنفسهم ، فيحتم الإسلام على المسلمين الاعتناء بجرحى أعدائهم ومداواتهم وإطعامهم ، ويحرم بطبيعة الحال الإجهاز عليهم أو إيذائهم بأي شكل من الأشكال . كما يطلب الإسلام من المسلمين تجنيب المدنيين شرور الحرب وأخطارها . فالإسلام مع اعترافه بالحرب