عبد الشافى محمد عبد اللطيف
168
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الإسلام العالمية . ذلك الدين الذي لا يقيم أي وزن لآية رابطة تقوم على العصبية القبلية أو القومية أو الجنسية ، فالرابطة الوحيدة التي يعترف بها الإسلام هي رابطة العقيدة ؛ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ . . . [ الحجرات : 10 ] . فهي الرابطة التي تحقق المساواة الكاملة بين البشر . ولقد ضرب النبي صلّى اللّه عليه وسلم أروع الأمثلة العملية على ذلك ، فقد آخى بين عمه حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه ومولاه زيد بن حارثة رضي اللّه عنه « 1 » ، وبهذه المؤاخاة أصبح المسلمون أمة واحدة ، متميزة بخصائصها الدينية في مواجهة المجموعات الآخرى في المدينة ، ومنهم اليهود . ثالثا : معاهدة المدينة . فبعد أن نظم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم العلاقات بين المسلمين على النحو السابق ، كان لا بد من تنظيم العلاقات بين المسلمين وبين بقية سكان المدينة ، ولا بد من تحديد الحقوق والواجبات لكل طرف ؛ حتى يعرف كل إنسان ما له وما عليه ، وهنا يقدم لنا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أنموذجا آخر ، على عالمية الإسلام وشمول مبادئه ، وطبيعته التنظيمية ، ذلك الأنموذج الذي تمثل في المعاهدة التي عقدها الرسول مع اليهود وغيرهم من سكان المدينة ، تلك المعاهدة التي تعتبر أدق وأوفى المعاهدات في التاريخ ، والتي أصبحت الأساس الدستوري لقيام الدولة الإسلامية في المدينة بقيادة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، باعتراف جميع الأطراف التي اشتركت فيها ووقعت عليها . ولقد نظمت معاهدة المدينة كافة الحقوق والواجبات والالتزامات بين سكان المدينة جميعا ، باعتبارهم مواطنين في الدولة الجديدة ، مع اختلاف العقيدة ، حيث اعتبرت المعاهدة اليهود طرفا فيها ، واعتبرتهم مواطنين في المدينة ، ومع ذلك ضمنت لهم حرية عقائدهم وشعائر دينهم ، والمحافظة على ممتلكاتهم ، وعلى كل حال لا نريد أن نطيل في شرح تفاصيل معاهدة المدينة في هذا البحث ، وإنما يهمنا منها أمر واحد ، وهو أنها كانت إعلانا بميلاد دولة الإسلام بقيادة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وباعتراف جميع أطرافها بما فيهم اليهود ، وقد جاء هذا الاعتراف في نص صريح في المعاهدة . « وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى اللّه عز وجل ، وإلى محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . . . » « 2 » . بهذا الشكل تم إعلان قيام
--> ( 1 ) انظر موضوع المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في ابن هشام ، القسم الأول ( ص 504 ) وما بعدها . وابن سعد - الطبقات الكبرى ( 1 / 2 / 1 ) وما بعدها ، د . هيكل - حياة محمد ( ص 223 ) . ( 2 ) راجع نص معاهدة المدينة في ابن هشام ، القسم الأول ( ص 501 ) وما بعدها ، ومحمد حميد اللّه - الوثائق السياسية للعهد النبوي ( ص 41 ) وما بعدها ، ود . هيكل - حياة محمد ( ص 225 ) وما بعدها .