عبد الشافى محمد عبد اللطيف

166

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وهناك فارق آخر بين الإسلام والمسيحية من حيث النشأة التاريخية لكل منهما فالمسيحية كما هو معروف ، نشأت في فلسطين ، حيث ولد السيد المسيح عليه السّلام ، وفلسطين يومئذ مستعمرة رومانية ، والدولة الرومانية كانت في تلك الأزمان دولة كبيرة وعتيدة . دولة لها نظامها الاجتماعي الخاص بها ، ولها قوانينها الراسخة ، والتي كانت مبعث فخرها - لا تزال القوانين الرومانية تعتبر ينبوعا لمعظم القوانين في أوروبا - فلم تكن الدولة الرومانية لتسمح للسيد المسيح عليه السّلام أن ينازعها سلطانها ، وأن يقيم في ولاية من ولاياتها دولة ومجتمعا يخالف نظامها وقوانينها . ولقد أدرك السيد المسيح نفسه هذا الوضع فلم يحاول أن يقحم نفسه ورسالته في هذا الميدان ، ولم يسع لإقامة دولة مسيحية على أساس الديانة المسيحية ، ونقلت الكتب المتداولة في أيدي المسيحيين الآن عنه قوله : « دع ما للّه للّه وما لقيصر لقيصر » « 1 » . ويعني هذا أن المسيحية قصرت جهودها على العمل في ميدان الروح والوجدان ، وقد نجحت المسيحية في رسالتها الروحية ، قبل أن ينحرف بها أتباعها - كما انحرف اليهود من قبل بديانتهم - ويحمّلوها ما ليس من طبيعتها ، وما فوق طاقتها ، وهذا موضوع طويل وليس مكانه في هذا البحث . وإنما كل ما نريد أن نوضحه أن النشأة التاريخية للإسلام تختلف عن النشأة التاريخية للمسيحية ، وأن هذا كان له تأثير كبير على نشأة الدولة الإسلامية ذاتها . فالإسلام نشأ في إقليم الحجاز في شبه الجزيرة العربية ، حيث ولد محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وتلقّى رسالته ، وهذه المنطقة التي ولد فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ونشأ فيها الإسلام ، كانت مستقلة تماما عن أي نفوذ أجنبي ، فلا سلطان عليها لا لملك ولا لإمبراطور ، هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فلم تكن بالمنطقة نظم أو قوانين كتلك التي كانت سائدة في فلسطين - المستعمرة الرومانية - عند نشأة المسيحية . وكانت تلك فرصة طيبة للإسلام لكي يقيم المجتمع والدولة والنظام الذي يريده ، على أساس الشريعة التي أنزلها اللّه على رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، دون تدخل من أية قوة خارجية أو إعاقة من أي نظام أو قانون داخلي ، ولم يكن مضطرّا لقصر عمله على ميدان الروح والوجدان « 2 » ؛ بل عمل في ميدان الروح والوجدان ، وعمل في واقع الحياة وفي كل ميدان من ميادينها الفسيحة . وكان من حيث طبيعته العالمية ، ومن حيث نشأته التاريخية مهيئا لإقامة دولة إسلامية ذات

--> ( 1 ) إنجيل متى - الإصحاح الثاني والعشرين - الآية ( ص 21 ) . ( 2 ) سيد قطب - العدالة الاجتماعية في الإسلام ( ص 4 ) وما بعدها .