عبد الشافى محمد عبد اللطيف

140

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم - أي من فقر المسلمين - فو اللّه ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم ، فو اللّه ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ، وأيم اللّه ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم . . . » « 1 » . على أية حال فهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم رسالته ، وأن إنشاء دولة على أساسها أمر أصيل فيها ، فما أن هاجر من مكة إلى المدينة حتى شرع على الفور في تأسيس الدولة لتحمي الدعوة وتنظم المجتمع . وقد يقول قائل : لماذا لم يبدأ منذ البداية في تأسيس الدولة في مكة ؟ والرد على ذلك : أن ذلك لم يكن ممكنا في مكة ؛ لأن الوضع لم يكن مهيئا ، فمكة قد ناصبت الرسالة وصاحبها العداء منذ البداية بل سدت في وجهه كل الطرق ليبلغها ، لغيرهم من الناس ، فلم يكن ممكنا ولا منطقيّا الحديث عن قيام الدولة في مكة ، أما في المدينة فأصبح الوضع مختلفا تماما والمناخ غير المناخ والناس غير الناس . فأهل المدينة أبدوا استعدادهم - بمحض إرادتهم - لقبول الرسالة والإيمان بها والدفاع عنها وعن صاحبها مهما كان الثمن . لذلك لم يضيّع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وقتا في المدينة ، بل بدأ على الفور في وضع لبنات الكيان الجديد ، وخطا في ذلك خطوات عملية منها : أولا : بناء المسجد النبوي في المدينة « 2 » الذي لم يكن فقط مسجدا للصلاة ؛ بل كان مركزا للدعوة ومقرّا للحكم ، وليس في هذه العبارة غرابة أو مبالغة ، فكما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يتلقى الوحي فيه ويبلغه للناس ويشرح ويفسر ويعلم أصول الرسالة ، كان كذلك يقضي ويحكم ، وفيه يعلم الصحابة - رضوان اللّه عليهم - أمور الدين وأمور الدنيا ويدربهم على فنون الحكم والقيادة والإدارة ، ويعدهم للدور الخطير الذي سيقومون به في الدولة وفي تاريخ العالم . ومن المسجد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعقد

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام ( 4 / 249 ) . ( 2 ) سيرة ابن هشام ( 2 / 114 ) ، وابن كثير - البداية والنهاية ( 3 / 219 ) مكتبة المعارف - بيروت - لبنان ( سنة 1980 م ) ، ود . محمد حسين هيكل - حياة محمد ( ص 220 ) دار المعارف بالقاهرة الطبعة الثانية عشرة .