عبد الشافى محمد عبد اللطيف
130
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ( 38 ) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ التوبة : 38 ، 39 ] . إلى جانب هؤلاء الذين قعدوا عن الجهاد وهم قادرون عليه ، كان هناك بعض الصفوة الذين تاقت أنفسهم للجهاد وعز عليهم أن يجاهد الرسول والذين معه ، ولا يشتركون في الجهاد ، ولكنهم لا يجدون ما يحملون عليه فذهبوا إلى الرسول يستعينونه على الجهاد فاعتذر لهم بأنه لا يجد ما يعينهم به ، هؤلاء هم الذين قال اللّه عنهم : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [ التوبة : 92 ] . إلى جانب هذه النوعيات من المسلمين الذين وضحت السورة مواقفهم ومواقعهم ، وأعطت لكل ذي حق حقه ؛ كان المجتمع المسلم - عند غزوة تبوك - زاخرا بمجموعات من المنافقين ، الذين كانوا يتسترون تحت إظهار الإسلام ، ولكن نياتهم تنطوي على الحقد عليه ، وكانوا يظنون أن أمرهم يخفى على اللّه ورسوله ، فكشفتهم السورة ، وفضحت مواقفهم . لذلك كان من الأسماء التي عرفت بها سورة التوبة اسم الفاضحة « 1 » . من هؤلاء المنافقين من اعتذر لرسول اللّه عن الجهاد بأعذار كاذبة ، فضحها اللّه تعالى ولم يقبلها ، وقال عنهم : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ التوبة : 94 ] . ومن المنافقين من لم يكتف بالقعود عن الجهاد والتخلف عن رسول اللّه ، بل أخذ يثبط الآخرين عن الجهاد ، ويحرضهم على القعود والتخلف ويحببه إليهم ويبث الأكاذيب والأراجيف في صفوف المسلمين . وهؤلاء الذين قال اللّه تعالى عنهم : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [ التوبة : 81 ] . وهكذا كما حددت سورة التوبة علاقات الأمة المسلمة بغيرها من الأمم تحديدا نهائيّا ، حددت وبينت موقف وموقع كل مجموعة من المجموعات التي تنتسب إلى الإسلام ، حتى يكون رسول اللّه على بينة من أمر الأمة على اختلاف اتجاهاتها ونواياها .
--> ( 1 ) د . كامل سلامة - العلاقات الدولية في الإسلام ( ص 12 ) .