عبد الشافى محمد عبد اللطيف

117

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

شبه الجزيرة العربية يمكن أن يشكل خطورة على إمبراطوريته المترامية الأطراف . وعلى كل حال فمنذ بداية العام السابع الهجري بدأت العلاقات بين المسلمين والروم تتطور متصاعدة على طريق المواجهة العسكرية ، فبدأ الروم بتأليب القبائل وتحريضها ، إلى الاشتراك معها في غزوة مؤتة في حرب المسلمين وبهذا يكون الروم قد أعلنوا الحرب على الإسلام والمسلمين . * المقدمات التي أدّت إلى غزوة مؤتة : أشرنا فيما سبق إلى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، بدأ يعطي عناية بالغة إلى جبهة حدود الدولة الإسلامية مع الشام - حيث يسيطر الروم - منذ بداية العام الخامس الهجري ، حيث غزا بنفسه دومة الجندل ، ثم أغزى زيد بن حارثة وادي القرى ثم أغزى عبد الرحمن ابن عوف دومة الجندل ثانية ، وذلك لإظهار هيبة الإسلام في هذه الجهات ثم لإنذار القبائل العربية فيها ، بأن التعرض للمسلمين بأي أمر لن يمر دون عقاب . ولكن يبدو أن هذه القبائل لم تفهم ، أو لم ترد أن تفهم ذلك فدأبت على الاعتداء على المسلمين وبصفة خاصة على قوافل التجار المسلمين التي تمر بهم ، ولم يسلم منهم حتى رسل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فبينما كان دحية بن خليفة الكلبي عائدا من عند هرقل - بعد أن سلمه رسالة النبي - تعرض له بعض من قبائل جذام ، وأغاروا عليه ، وأخذوا كل شيء معه « 1 » . ثم بلغت هذه الاعتداآت قمتها في هذا العمل الغادر الدنيء وهو قتل الحارث بن عمير الأزدي ، مبعوث النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى أمير بصرى ، وإليك رواية ابن سعد عن هذا الحادث : « بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الحارث بن عمير إلى ملك بصرى بكتاب ، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني ، فقتله ، ولم يقتل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، رسول غيره ، فاشتد ذلك عليه - أي : على النبي - وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف ، وهم ثلاثة آلاف . . وأوصاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأن يأتوا مقتل الحارث بن عمير ، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام ، فإن أجابوا ، وإلا استعانوا باللّه وقاتلوهم . . فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم ، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو ، فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه ، وقد نزل المسلمون معان من أرض الشام ، وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء

--> ( 1 ) ابن الأثير - الكامل ( 2 / 207 ) .