عبد الشافى محمد عبد اللطيف

114

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

النبي صلّى اللّه عليه وسلم مثلا رائعا في العفو والتسامح والإنسانية ، فقد كان قادرا على إبادتهم نهائيّا ومحوهم من الوجود . ولكنه لم يأت ليدمر ويبيد الناس ، وإنما جاء هاديا ورحمة للعالمين ، ومعلما للدنيا كلها . ولم يكن ليهدف إلا لإزالة العقبات من أمام الدعوة الإسلامية حتى تشق طريقها للناس في حرية وأمان . فقبل مصالحتهم وأبقاهم في أرضهم وديارهم ، ولم يصنع أحد قبل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا بعده مثل هذا الصنيع مع عدو ماكر خبيث ، فلو أن أي قائد آخر وقف مثل هذا الموقف ، لما كنا ننتظر منه سوى القضاء عليهم قضاء تامّا ، ولكنه الرحمة المهداة للبشرية كلها . انتهى أمر اليهود في خيبر على هذا النحو ، كما انتهى أمر اليهود الآخرين في المستعمرات اليهودية القريبة الآخرى في فدك وتيماء ووادي القرى على نحو مشابه وخضعوا لمثل ما خضع له يهود خيبر « 1 » ، ولكنهم دائما تحت المراقبة الحذرة من جانب المسلمين . * اتصال المسلمين بالروم : في بداية العام السابع للهجرة ، بدأت تتهيأ للرسول صلّى اللّه عليه وسلم الفرصة للخروج بالدعوة الإسلامية خارج شبه الجزيرة العربية . فبمعاهدة الحديبية أمن جانب قريش ، وبفتح خيبر أخضع اليهود لسلطانه ، ولم يعد يخشاهم ، وفكر في الدعوة والعالم . . فقام بإيفاد مبعوثيه إلى معظم زعماء العالم المعروف يومئذ ، يحملون رسائله التي يعرض عليهم فيها الإسلام ، والدخول في دين اللّه الحق . فأرسل إلى كسرى فارس ، وإمبراطور الروم ، ونجاشي الحبشة ، وإلى المقوقس في مصر ، وإلى أمراء العرب في شمال وجنوب وشرق شبه الجزيرة العربية « 2 » . والذي يهمنا هنا ونحن بصدد العلاقات بين المسلمين والروم هو أمر رسالته إلى هرقل - إمبراطور الروم - تلك الرسالة التي تعتبر أول اتصال رسمي بين الإسلام والعالم المسيحي ، وأن هذه الرسالة وما ترتب عليها من آثار أو أعقبها من نتائج أثرت ولا تزال تؤثر في تاريخ العالم . فإن الروم الذين كانوا يمثلون العالم المسيحي يومئذ ، لم

--> ( 1 ) ابن الأثير - الكامل ( 2 / 222 ) . ( 2 ) انظر في موضوع رسائل النبي إلى الملوك والأمراء المصادر الآتية : ابن حجر - فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 1 / 32 ) وما بعدها . وصحيح مسلم بشرح النووي ( 12 / 107 ) ، وتاريخ اليعقوبي ( 2 / 77 ) . ابن الأثير - الكامل ( 2 / 145 ) . ومحمد حميد اللّه - مجموعة الوثائق السياسية ( ص 81 ) وما بعدها . وأحمد زكي صفوت - جمهرة رسائل العرب ( 1 / 32 ) وما بعدها . ود . هيكل - حياة محمد ( ص 383 ) وما بعدها .