عبد الشافى محمد عبد اللطيف
112
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الذي حدث مع الحبشة عند هجرة المسلمين إليها في العام الخامس من البعثة النبوية « 1 » . كذلك في السنين الأولى بعد الهجرة ، لم تتهيأ الفرصة أمام النبي صلّى اللّه عليه وسلم للاتصال بالعالم الخارجي ؛ لأنه كان أمامه مهمات شاقة كان لا بد أن ينجزها قبل أن يخاطب العالم ، ليبلغ رسالته للناس جميعا . كان أمامه أمر بناء الدولة الإسلامية وإرساء دعائمها ، وكانت أمامه قريش ، التي لا زالت مصرة على مقاومة الدعوة وصد الناس عنها . والحقيقة أن موقف قريش من الإسلام كان في غاية الخطورة ؛ لأن بقية العرب كانوا يتربصون بإسلامهم أمر قريش ؛ لأن قريشا كانوا أئمة العرب وأهل البيت الحرام ، وقادة العرب لا ينكرون ذلك . ولذلك كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعطي لأمر قريش الأولوية على سواه . « فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوخها الإسلام ، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا عداوته ، فدخلوا في دين اللّه . . . » « 2 » . وكان أمام النبي صلّى اللّه عليه وسلم مشكلة اليهود ، وتامرهم على الإسلام والمسلمين ، وكيدهم لهم . وقصة اليهود مع الإسلام منذ ظهورة قصة طويلة ، فمنذ هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة بدأت فصول هذه القصة التي لم تنته بين الإسلام واليهود حتى الآن . وعند هجرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة عاهد اليهود واعتبرهم مواطنين في دولة الإسلام ، وضمن لهم حرية عقيدتهم وشعائرهم الدينية وأحسن معاملتهم « 3 » . ولكنهم لم يحسنوا هذه المعاملة ؛ لما جبلوا عليه من لؤم الطبع والمكر والخيانة ؛ فهم شر الدواب الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ، ولا يرعون عهدا ولا وعدا . فبعد الانتصار الرائع للرسول صلّى اللّه عليه وسلم على قريش في غزوة بدر الكبرى ، في رمضان من السنة الثانية للهجرة ، تحركت أحقاد يهود بني قينقاع وحزنوا على هزيمة قريش ، وأظهروا استياءهم لانتصار المسلمين ، وأخذوا يتحرشون بهم ، ولم يراعوا ما بينهم وبين المسلمين من عهود ، فنقضوها ونكثوا بها ، فأجلاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن المدينة « 4 » .
--> ( 1 ) انظر قصة الهجرة إلى الحبشة في ابن هشام ( 1 / 343 ) وما بعدها . ( 2 ) البداية والنهاية - ابن كثير ( 5 / 40 ) وانظر كذلك الروض الأنف - السهيلي ( 7 / 357 ) ، والكامل ابن الأثير ( 2 / 286 ) . ( 3 ) راجع نصوص معاهدة المدينة - ابن هشام ( 2 / 119 ) وما بعدها ، محمد حميد اللّه - الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ( ص 41 ) وما بعدها ، وحياة محمد . د . هيكل ( ص 225 ) وما بعدها . ( 4 ) انظر في أمر بني قينقاع سيرة ابن هشام ( 2 / 426 ) . وابن كثير - البداية والنهاية ( 4 / 3 ، 4 ) .